رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المشاريع العامة.. العمل يسبق التفكير!

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@yahoo.com</a>

يبدو أن هناك نظرية تسيطر على متخذي القرار في الأجهزة الحكومية مفادها أن العمل يسبق التفكير, وأن البحث والدراسة وتقييم البدائل للمشاريع ما هي إلا مضيعة للوقت ولا تجدي نفعا، بل على العكس تماما يكون الانغماس في الإجراءات الروتينية أمرا محمودا وهدفا مطلوبا وردة فعل تجاه الأحداث بشكل سريع. والعمل الروتيني يعطي متخذ القرار الإحساس (الخادع) بالإنجاز ومبررا للإفلات من جهد التفكير المضني في مواجهة التحديات المستقبلية والمبادرة في التخطيط لها والتعامل مع المجهول. لذا لم يكن مستغربا أن ينشأ بعض المشاريع دون أن نتعرف على تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة إيجابية كانت أم سلبية والتكاليف الدقيقة بكل تفاصيلها والمنافع التي سنجنيها وإلى أي مدى سيدوم عطاؤها. فهناك مشاريع جبارة تقام في طول البلاد وعرضها وهي بلا شك محل تقدير وفخر وامتنان لما تبذله الدولة من مال وجهد من أجل التنمية والارتقاء بالمجتمع، إلا أن بعضها يقبع في مكانه كالطود العظيم حبيس معوقات كثيرة لم يحسب لها حساب ومتغيرات ومستجدات لم يتنبأ بها فتحول دون تشغيلها تشغيلا كاملا أو الاستفادة منها بما يوازي ما صرف على إنشائها. وفي الوقت ذاته نجد أن هناك قطاعات أخرى في الاقتصاد الوطني تفتقر إلى المشاريع وتعاني الأمرين من تردي الحال وانخفاض مستوى أدائها! إنها حالة تستدعي التوقف عندها طويلا ومراجعة جادة لأولوياتنا التنموية والتحقق من أن الريال ينفق على المشروع ذي العائد الأعلى اقتصاديا واجتماعيا. لم يعد بالإمكان الإنفاق من أجل الإنفاق ظنا أن هناك تساويا في الاحتياجات الاجتماعية دون تمييز ومفاضلة بينها. لا شك أن الإنفاق الحكومي عبر إقامة المشاريع التنموية أحد أهم آليات توزيع الدخل وإنعاش الاقتصاد، إلا أن ذلك لا يكفي سببا للإنفاق دون إدراك التأثيرات النهائية للمشاريع مقارنة بالتكاليف. وعلى أن تحسين دخول الأفراد ورفع مستوى معيشتهم هدف أساسي للتنمية إلا أنه في الوقت ذاته معيار أساسي في اختيار المشاريع التنموية. بمعنى آخر إن هناك تفاوتا بين المشاريع في مدى تحقيق المنفعة العامة التي في جوهرها تحسين مستوى معيشة المواطن. من هنا كانت أهمية المفاضلة بين العوائد والتكاليف الاقتصادية للمشاريع في توجيه الإنفاق نحو القطاعات الأكثر احتياجا والأكبر عائدا اقتصاديا واجتماعيا. إن الدافعية نحو التنمية والتطوير ومسابقة الزمن للارتقاء بالمجتمع بإحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية سريعة وعاجلة ومتتالية يجب ألا يجعلنا نغفل عن ترتيب الأولويات وتطبيق الإجراءات المهنية في تقييم المشاريع واتخاذ القرارات الرشيدة على أسس موضوعية وأهداف استراتيجية. إن تبني فلسفة إقامة المشروع أولا ثم التفكير في الاستفادة منه! أمر يدعو إلى التأمل ومعاودة النظر في أسلوب عملية اتخاذ القرار والتنظيم الإداري. وهذه الظاهرة لا يختص بها مستوى إداري دون آخر وإنما هي متغلغلة داخل الأجهزة الإدارية تحكم سلوكيات العاملين وتصرفاتهم وتلقي بظلالها على مستوى التعامل مع المستفيدين من الخدمة. هذا التوجه هو انعكاس للحالة الإدارية في التركيز على الأعمال الروتينية والإجراءات دونما الالتفات إلى ما ستؤدي إليه هذه الأعمال وماذا عساها أن تحققه. ولأن الخدمات الحكومية غير مرتبطة بآلية السوق وبالتالي لا يمكن تقييمها اعتمادا على قوى الطلب والعرض وتبعا لعدم إمكانية وضع سعر يعكس القيمة الحقيقية لدى أفراد المجتمع، يتيح الفرصة للبيروقراطيين ويطلق العنان لهم للسعي حثيثا إلى زيادة ميزانيات أجهزتهم الإدارية، ليس إلا من أجل زيادة مراكزهم الإدارية وسلطاتهم الإدارية، فكلما كبر حجم الجهاز ازدادت مكانتهم وقدرتهم وقدرهم. فالبيروقراطيون يستغلون انعدام وجود سعر (القيمة الحقيقية للخدمة) للخدمة العامة وانعدام المنافسة واحتكار تقديم الخدمات وثغرات النظام المالي المركزي لتضخيم ميزانياتهم دون صعوبة تذكر في إيجاد مبررات عامة شكلية تصلح لكل مشروع غير مبنية على إحصاءات دقيقة وتحليلات كمية اقتصادية واجتماعية وتعدم الواقعية ولا تعكس بالضرورة رغبات الناس.
أعتقد أن مشكلتنا الرئيسة في هذا السياق هي تبني فلسفة "شيء أفضل من لا شيء". وهي بلا شك فلسفة سلبية تقتل الطموح وتبحث عن الحد الأدنى أو أقل وتضيع الفرصة في البحث عن البدائل والاجتهاد في تحقيق أفضل النتائج بأقل تكلفة ممكنة. والفلسفة ذاتها تتدرج من أعلى الهرم الإداري إلى أسفله لتشمل جميع العاملين فيتشربونها وتصبح جزءا من ثقافة المنظمة وتستولي على اهتمامات القيادات الإدارية فتكون النتيجة عمل الأشياء بأي طريقة كانت دون ربطها بنتائج محددة, فالعمل وحدة يكفي حتى ولو من دون أهداف أو من دون إدراك وجودها. وهكذا يتحول العمل الإداري إلى مجموعة سلوكيات شكلية في ظاهرها الجد والاجتهاد والبذل والعطاء ولكن دونما نتيجة تذكر أو هدف حقيقي يراد تحقيقه، يؤدي إلى تحسين الخدمات كما ونوعا وفي نهاية المطاف إلى تقوية الاقتصاد وتحقيق التنمية المحلية.
هناك أمثلة كثيرة تدلل على وجود هذه الظاهرة قد يكون أكثرها وضوحا مطار الملك فهد في المنطقة الشرقية. فحتى الآن يسجل أداء منخفضا في عدد الرحلات القادمة والمغادرة, والسبب المنافسة الشديدة من المطارات في الدول المجاورة التي لم نتمكن من مجاراتها في جودة الخدمة وانخفاض التكلفة والتسهيلات. كما أن هناك حلقة مفقودة في العلاقة التبادلية بين المطار كعامل محفز للنشاط الاقتصاد المحلي والأعمال التجارية المحلية الجاذبة للمستثمرين. إضافة إلى أنه تم إلغاء معظم الرحلات الدولية وتحويلها إلى مطاري الملك خالد في الرياض والملك عبد العزيز في جدة! حتى لتخال أن مطار الملك فهد الدولي الذي يمتد على مساحات كبيرة ويشتمل على صالات ضخمة بتكاليف باهظة قد تحول استخدامه إلى مستوى مطار إقليمي، هذا فضلا عن المعاملة الشخصية لبعض موظفي المطار التي لا ترتقي إلى المستوى المهني المطلوب وعدم وجود نظام صارم ودقيق للصيانة والنظافة. من هنا كان من المستغرب إقامة أنشطة استعراضية في المطار ظنا أن هذا ما نحتاج إليه لتفعيل مطار كلف الدولة الكثير. إن هذه الأنشطة الاحتفالية هي ما نلجأ إليه في كثير من القطاعات كأسرع حل للإعلان والترويج وللاستهلاك الإعلامي حتى في حال لم يكن هناك ما نروج له ولا أهداف نود تحقيقها. إنه الحل الذي نلجأ إليه عندما تتقطع بنا السبل ونحتار ماذا عسانا نفعل. إنه تطبيق لفلسفة "شيء أفضل من لا شيء!" وهكذا نستمر في تقديم العمل على التفكير لينتهي بنا المطاف بمشاريع تملأ الرحب لا نعلم كيف نديرها وكيف عساها تسهم في التنمية الاقتصادية. حتى في المدارس نعلم أبناءنا وبناتنا عمل الأشياء دون وعي ودون إدراك النتائج المتوخاة من هذا النشاط أو ذاك، فترى المدرسين والمدرسات يأمرون طلابهم وطالباتهم بعمل مشاريع فنية لا يعلمون لماذا؟ وما يسعون إلى تحقيقه؟! سوى أنهم سيحصلون على درجة المشاركة وهكذا توأد الفكرة من وراء النشاط اللاصفي في مهدها. ناهيك عن الحديث عن المثاليات داخل مدارس مستأجرة هي في الأساس مساكن بعضها مهترئ لا يصلح لشيء! هذا لأننا نعمل الأشياء دون تخطيط ودون معايير مهنية محددة. أما المستشفيات فبعضها مضى عليها سنوات طوال تعدت عمرها الافتراضي واستنفدت أغراضها ولم يبق منها إلا الاسم ! تجلب الكآبة وتشكو من تدني مستوى الخدمات وسوء المعاملة وهي نتيجة حتمية لفقدان الانضباطية والنظرة الدونية للمرضى واللامبالاة وغياب الهدف الأساسي من إنشائها, وهو خدمة الناس كما في قَسَم المهنة. والأمثلة في هذا كثيرة ومتعددة ومتنوعة وعلى مستويات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها وإنما أوردت الحالات السابقة كأمثلة للتدليل على نمط وأسلوب اتخاذ القرار للمشاريع العامة والفلسفة السائدة في إقامة المشروع ومن ثم التفكير في كيفية الاستفادة منه! بمعنى آخر التركيز على العمل دون الاهتمام بمستوى الأداء والنتيجة المحققة!
إن تفعيل المجالس النيابية الشورى والمناطق والبلديات والمحافظات في مناقشة المشاريع المختلفة كل حسب نطاق إشرافه المكاني من شأنه الربط بين المشاريع والأهداف التنموية بدلا من ترك البيروقراطيين يتفردون بعملية اتخاذ القرار دون قيد أو شرط. إن معايير اختيار المشاريع يجب ألا تعتمد على المعايير البيروقراطية الفنية والمالية وحسب، ولكن يجب أن تؤخذ الاحتياجات الاجتماعية الحقيقية والعوائد الاقتصادية والتكاليف والتأثيرات النهائية بعين الاعتبار والمفاضلة بينها من منظور شمولي تدخل فيه جميع القطاعات، وإلا سنظل في الحالة ذاتها: مشاريع جبارة تائهة لا تحقق الطموحات ولا تلبي الاحتياجات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي