المعالجة الحكيمة لأزمة الكهرباء
<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>
لم تكن معاناة شركة الكهرباء وأزمتها المالية بالأمر الجديد أو الموضوع الحديث، فقد عانت الشركة منذ إنشائها من عدة أزمات اضطرت معها في كل مرة إلى مناقشة موضوع الإصلاحات الهيكلية الشاملة. ومع ذلك وعلى الرغم من كل الإصلاحات التي مرت بها فإن الأزمة لم تزل قائمة ومستمرة، فمنذ قرار دمج شركات الكهرباء الخاصة تحت راية شركة الكهرباء الموحدة، دخلت الدولة مع الشركة في علاقة معقدة وصعبة، فالدولة تعتبر شريكا ضامنا لعوائد محددة لباقي الشركاء، وقامت، في سبيلها لضمان إيصال هذه الخدمة العظيمة والضرورية للبناء والتنمية بأقل تعرفة، بدعم الشركة كتعويض عن فروق الأسعار. وهي كذلك أكبر المدينين عما تستهلكه من خدمات وأهم المقرضين علاوة على ذلك. ثم لتزداد العلاقة تعقيدا دخلت شركة "أرامكو" في القضية، فهي شركة مملوكة بالكامل للدولة هي أيضا المورد الوحيد لما تحتاج إليه شركة الكهرباء من وقود وأحد الشركاء.
لك الآن عزيزي القارئ أن تتخيل حجم التداخل بين الدولة ممثلة بأكثر من جانب وبين شركة الكهرباء، فالدولة شريك وداعم أساسي ومورد ومستهلك ومقرض رئيس، وتلعب جميع هذه الأدوار ولكل دور جهة تطالب بحقها فيه ولها ممثليها ولجانها. شركة أرامكو من جانبها، كشريك وتبحث عن زيادة الإيرادات، تطالب بنصيب من الأرباح وشركة الكهرباء تعتبرها جزءا من الدولة. شركة أرامكو تعتبر شركة الكهرباء أحد العملاء يسري عليها ما يسري على الباقين منهم، وشركة الكهرباء تعتبر نفسها تحت وصاية الدولة ودعمها ولذلك تطلب من شركة أرامكو أن تمدها بالمواد النفطية والوقود اللازم بأسعار تتناسب مع الدعم. والآن كيف تتوقع أن تتم تسوية كل هذه العلاقات المعقدة والمتشابكة في ظل الهيئات واللجان والبيروقراطية.
لم تكن مشكلة الدولة مع شركة الكهرباء بالمشكلة العسيرة الحل لو أنه ومنذ البداية التقى الوزيران على طاولة المفاوضات وبشكل مباشر بعيدا عن تعقيدات وإجراءات البيروقراطية ودهاليز اللجان والهيئات. وبما أن لكل لجنة رجالها الذين يمتلكون تصوراتهم ونظرتهم للقضية وبالتأكيد، مع دعواتي للجميع بطول العمر، يتغير تشكيل هذه اللجان وتستبدل ولكل عضو جديد تصوره ونظرته وفلسفته، لذلك ما إن تنتهي أسطوانة إعادة هيكلة الشركة حتى نعود فنسمعها من جديد. نعم أتفق مع الذين يناشدون بإعادة النظر في هيكلة الشركة واعتاقها من كل هذه العلاقات المتشابكة، لكن الموضوع يطول مع اللجان والهيئات المشتركة والشركة تعاني من ضائقة شديدة جدا قد توقف مسار التنمية، خاصة في المرحلة الحالية التي تمر بها المملكة. لذلك وعندما يتدخل خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، لتجاوز البيروقراطية وتقديم حل لهذه الأزمة فإن علينا جميعا أن نقف احتراما واعتزازا بهذا الملك العادل والحكيم.
لم يكن تدخل خادم الحرمين الشريفين لتجاوز تعقيدات البيروقراطية وتنظير المنظرين بالأمر الجديد، فقد تدخل، حفظه الله، أكثر من مرة وإن كان أعمقها أثرا، إضافة إلى حل أزمة الكهرباء، تدخله لحل كارثة السوق المالية وإخراجها من أزمتها الخانقة وذلك عندما انحشر الجميع هاربين من السوق. في ذلك الحين اشتد النقاش وتعالت الأصوات حول الأدوار ومن المسؤول وما هي اللجان ومن له حق دراسة الموضوع بالإضافة إلى مناقشة المفكرين حول المشروعية الفكرية لتدخل الدولة ومدى انسجامه مع النظرية الاقتصادية. تدخل، حفظه الله، رغم كل ذلك، بحكمته ودون مساس بآليات السوق لوضع حد لتدهور الثقة أو انهيار السوق في موقف سيشهد له التاريخ ويدرسه أهل التنظير وفلاسفة الاقتصاد.
لقد شهدت النظرية الاقتصادية الرأسمالية، وهي أكبر من ينادي بعدم تدخل الدولة، بل هي سفير الاقتصاد الحر، العديد من التدخلات الحكومية عندما واجهت مصاعب التنفيذ أو انحراف المجتمع عن مساره ولك أن تعود إلى أسباب ظهور النظرية الكنزية. ومع ذلك بقيت القضية الأهم في علاقة الدولة بالاقتصاد هو التوقيت والطريقة التي يتم بها التدخل لتعديل المسار. وإذا كنا نحن أهل التنظير نراقب التدخل الحكومي ونتتبع آثاره فإن لتدخل خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، معنى ووقتا وحكمة، فهو ليس تدخلا لمجرد فرض هيمنة الدولة وتوجهها الاقتصادي، بل لتعديل المسار إذا انعوج أو سيؤدي إلى ذلك. وإذا لم يكن هذا هو دور الدولة وأهل القرار فما هو ومتى يكون؟
عندما تدخل خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، كان يقوده في ذلك فطرته الطبيعية في اتباع العدل وإحقاقه. لم يكن الحق والعدل في كل مرةء بحاجة إلى لجنة أو تشكيل هيئة، ولكن عندما رأى، حفظه الله، أن ميزان العدل لا يكاد يستقر فإنه يعود به ليضع الأمور في نصابها. فكأنما يده الحانية تتلمس الألم فعلا فتعالجه دونما مساس بحركة الجسم أو آلياته. يشهد له بذلك معالجته الحكيمة للتطرف في شتى أشكاله وصوره واتجاهاته. لذلك وعندما تعقدت الأمور وتفاقمت على شركة الكهرباء فأظلمت أضاء خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، بنور حكمته وتوفيق الله له.
نقطة نظام:
أعطني موفقا واحدا من عند الله وخذ مني ألف عالم وحامل دكتوراة لم يدلهم الله على الحق أو يرشدهم إليه.