كوارث أمة في إدارتها

<p><a href="mailto:[email protected]">Atrairy@Ksu.Edu.SA</a></p>
 
كثيرة هي الكوارث والأحداث التي تحدث في كثير من أنحاء العالم من زلازل وسقوط طائرات وتصادم قطارات وسيارات وشاحنات، لكن الآثار الناجمة عن هذه الكوارث والنكبات تختلف من مجتمع لآخر، ولذا لا بد من معرفة الأسباب الكامنة وراء هذا الاختلاف، لماذا تتصادم القطارات بكثرة في بلد ويكون التصادم قليلاً في بلد آخر؟ ولماذا يموت الآلاف ويتشرد مثلهم في دولة ولا يموت هذا في دولة أخرى رغم أن قوة الزلزال قد تكون واحدة في كلا البلدين. تساؤلات كثيرة وغموض يصعب تفسيره. زلزال باكستان قتل وشرد الآلاف ودمر المنشآت والممتلكات، بينما زلازل اليابان وما أكثرها وأقواها لا يحدث لها هذا التدمير وهذه الآثار السلبية، القطارات تحترق وتتصادم ويموت المئات بل الآلاف في بلداننا العربية والإسلامية، بينما لا يحدث هذا في بلدان أخرى. تسقط طائرات وتحترق على أرض المطار وتشكل اللجان لدراسة الأسباب ويوعد الناس بكشف الأسباب، وفي النهاية تكون هذه الأمور واللجان المشكلة بغرض دراستها في طي النسيان، وهكذا تتكرر المآسي ويفجع الناس في أقاربهم ويفقدون ممتلكاتهم، ويتكرر الأمر نفسه بشأن التحقيق وكشف الحقائق ولا شيء يحصل من هذا.
ترى ما الذي يجعل أوضاعنا بهذا الشكل، تتكرر الأحداث ولا نستفيد منها ونعد بالتحقيق والدراسة ولا نفي؟! هل للثقافة المجتمعية دور في هذا الوضع؟ وهل الأنظمة والقوانين والتشريعات هي السبب في ذلك أم أن الإدارة والقائمين على تصريف الأمور والطريقة التي يتصرفون ويفكرون فيها هي السبب؟ وهل من مستفيد في حجب الحقيقة أو متضرر في حال الكشف عنها؟! أم أن هذه مجتمعة تشكل أسباباً وراء هذه الأوضاع مع أسباب أخرى قد لا تكون واضحة للعيان.
كارثة العبارة المصرية المعروفة بـ "السلام 98"، والتي أبحرت من ميناء ضباء متجهة إلى ميناء سفاجا في جمهورية مصر العربية وعلى متنها ألفان وأربعمائة مسافر، عدا الممتلكات التي أخذها الركاب معهم تمثل حدثاً يحتاج لوقفة تأمل وتحليل لها لأنها تكشف عن أبعاد متعددة تنظيمية وإدارية، بل ونفسية وثقافية. ما نسمعه ونقرأه سواء من الناجين أو المسؤولين عن الشركة أو ذوي العلاقة كشركة التأمين يكشف لنا حقائق جمة يفترض أن توظف كي نستفيد منها في حاضرنا ومستقبلنا. ومع أنه قد مضت فترة طويلة على هذا الحدث وغيره من الأحداث الأخرى التي قد أشير إليها في هذا المقال، إلا أن إيماني المطلق بأن الظروف التي تجعل من هذه الأحداث متكررة ومأساوية ومدمرة في بلداننا لا تزال قائمة وستستمر لفترة لا يعلمها إلا الله، وحتى نستجيب لقوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، ومن هذا المنطلق رأيت تناول الموضوع نظراً للكوارث المتكررة، وعدم أخذ الموضوع بالجدية الكافية في مجتمعاتنا بغرض دراستها ومعرفة أسبابها الحقيقية.
تحدث الإعلام عن كارثة العبارة المصرية من حيث حمولتها وعمرها ونوعها والجهة المالكة لها، كما أبان الإعلام أن شركة التأمين لهذه العبارة صرحت بأن العبارة لا تنطبق عليها أنظمة الاتحاد الأوروبي وغير مصرح لها بالإبحار في البحار الأوروبية، لأن شروط السلامة التي تليق بالإنسان لا تتوافر فيها، فهل يا ترى إنساننا أقل قيمة من الإنسان الأوروبي؟ وهل حياة الإنسان العربي المسلم أرخص من غيره؟! مَن الذي أعطى الترخيص لهذه العبارة لتزاول عملها؟! وهل تم التأكد من توافر شروط السلامة؟! أم تم التلاعب بالأنظمة، إن كانت موجودة، وتم تقديم أوراق مزورة ولمصلحة من يفعل كل هذا؟! ومَن فعل هذا؟ هذه أسئلة محيرة وغيرها العشرات من الأسئلة تحتاج لإجابات شافية إذا كنا جادين في معرفة الأسباب ومعالجة الإخفاقات والمشاكل.
الناجون من كارثة العبارة يتحدثون عن سوء إدارة للموقف من قبل ربان السفينة وطاقمها، إذ لا تعليمات أو توجيهات للركاب ولم توزع ستر النجاة، بل ما تم العثور عليه من قبل الركاب لم يكن مناسباً للاستخدام ولا أخذ بأسباب النجاة وتجنب الكارثة أو التقليل من آثارها، كما أن الموقف يفرض تساؤلاً مهماً، لماذا تأخرت فرق الإنقاذ إذ لم تتحرك إلا بعد ست ساعات من الاستغاثة؟! وهل فرق الإنقاذ التي توجهت للموقع مجهزة ومدربة ولديها الكفاءة اللازمة في مثل هذه الظروف أم أن وضعها المهني لا يختلف عن الوضع المهني لربان وطاقم السفينة الذي كشفت روايات الناجين أنه لم يتصرف بالمهنية اللازمة، ولم يبدر عنه ما يكشف تأهيله في مواجهة الموقف وإدارة الأزمة بالشكل الذي يقلل من الخسائر البشرية. ما عرضته قناة المجد من مقابلات مع الناجين يكشف وبشكل لا يقبل اللبس أو التأويل أن ربان السفينة لم يأخذ بأسباب النجاة ولم يعالج الموقف بالشكل المطلوب رغم خطورته بل كارثيته، فلماذا لم يعد من حيث أبحر رغم أن الحريق بدأ بعد الإبحار من ميناء ضباء بوقت قصير، ولماذا لم يهيأ الركاب للبس ستر النجاة؟! ولماذا لم تهيأ القوارب ويجهزها للحظة التي يحتاج إليها الركاب؟! وهل كان الربان على اتصال بالشركة المالكة؟! وهل أصدر فعلاً رسالة استغاثة أم لا؟! وإذا كان قد أصدر رسالة استغاثة فكيف تم التعامل معها؟! كما أن الأمر يزيد حيرة أين ربان السفينة وطاقمها؟ هل غرق وروايات الركاب تقول إنه جهّز قارباً وستر نجاة وغادر السفينة وأين ذهب؟! هل رجع إلى بلاده مصر؟! وإذا كان الأمر كذلك فلماذا اختفى ولم يقابل إعلامياً ويحقق معه؟! هل مآسي الناس تنتهي بهذه الصورة الدرامية ولا أحد يعنيه الأمر؟! ثم ماذا سيكون مصير الشركة المالكة للسفينة، خاصة أن المعلومات تشير إلى أن مالكها من المتنفذين؟! ومما يزيد الطين بلة أن الشركة عادت لمزاولة نشاطها من جديد، كما تقول بعض المعلومات غير الموثقة، إن الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها ضرورية إذا كان لدينا رغبة في معالجة واقعنا بالشكل الذي يحفظ للناس حياتهم وكرامتهم، أما إن كان الأمر عكس ذلك فإن أمثال هذه الحوادث ستتكرر في البر والبحر والجو طالما أن المساءلة لا مكان لها كجزء من ثقافة المجتمع.
وما حدث في مصر قبل أيام وأثناء الصيف، والذي يمثل موسماً سياحياً في مصر حين تصادمت القطارات، يؤكد أن الأمور في تراجع وأننا نسير عكس الاتجاه الصحيح الذي يفترض أن وسائل الاتصال والتقنية ما وُجدت إلا لخدمة الإنسان ورفاهيته، لكن هذا لا يتحقق إلا إذا نظمت الأمور ورتبت الأوضاع في المجتمعات الإسلامية والعربية، بحيث يكون الإنسان هو الأهم وليست المادة أو أي شيء آخر. إن تكرار الحوادث وبصورة كارثية مرة تلو الأخرى، لم يأت من فراغ بل هو نتيجة حتمية لبيئة اجتماعية وبيئة عمل يسود فيها الفوضى والمحسوبية وسيادة قانون السلطة المطلقة التي لا تعتقد أنها تخطئ، ولو أخطأت فلا يجب محاسبتها أو معاقبتها على خطئها.
الغريب في الأمر أنه توجد إدارات تسمى إدارات الكوارث والأزمات وتعقد دورات لهذا الأمر، ومع ذلك لا نجد أثراً ولا وجودا لهذه الإدارات ولا لهذه الدورات، فهل هذه الإدارات، وهذه الدورات أسماء فقط نستخدمها لتوسعة أجهزة البيروقراطية دونما فائدة تظهر وتتجلى في وقت الأزمات والمواقف الصعبة؟! إن أصعب ما تصاب به الأمم هو افتقادها إلى إدارة منضبطة وفاعلة تأخذ بها لما فيه مصلحة حاضرها ومستقبلها وتجنبها المصائب كافة.
من البديهيات التي تتكرر في علم الإدارة أن الإدارة الفاعلة هي التي توظف العناصر كافة لخدمة الناس والعمل على منع الكوارث والمآسي، وفي حال حدوثها العمل على تقليل الآثار الناجمة عنها.
الأمر بجملته يشكل صورة حية من صور الإدارة في البلاد العربية والإسلامية، فالأمر سلسلة من الإخفاقات الإدارية، بدءاً من الأنظمة والقوانين المعمول بها في الملاحة البحرية وغيرها ومروراً بالقائمين على تنفيذ هذه الأنظمة، إضافة إلى إدارة الرحلة وإدارة الموقف حين حدثت الكارثة. وكل هذه مجتمعه تعود إلى قيمة الإنسان في مجتمعات تفتقد الشفافية والمحاسبة وتفتقد الإدارة الفاعلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي