استراتيجية التعليم العالي: من هنا نبدأ
الحديث عن استراتجية للتعليم العالي في هذا الوقت يثير الدهشة والاستغراب لدى المهتمين والمنتسبين والمراقبين لقطاع التعليم العالي، إذ إن قطاع التعليم العالي يعاني من أزمة حقيقية حاضرة بكل قوة لم يُلتفت إليها. تتمثل الأزمة في عدة قضايا مهمة منها تدني البنى التحتية والطاقة الاستيعابية للجامعات، وما يتبعها من مشكلة قبول الطلاب التي تتفاقم كل عام، شح تقنيات التعليم، عدم استحداث وظائف أكاديمية وإدارية لفترة تصل قرابة الـ 25 سنة، تدني مستوى مرتبات أعضاء هيئة التدريس السعوديين حتى في ظل الزيادة الأخيرة، الانتكاسة الإدارية التي مُنيت بها الجامعات قبل نحو عقد من الزمان حين استحدث نظام للتعليم العالي الذي تضمن إلغاء الانتخابات في الجامعات، وعدم ترؤس مديري الجامعات لمجالس جامعاتهم، والمركزية الشديدة التي سلبت رؤساء الأقسام وعمداء الكليات جل الصلاحيات المالية والإدارية حتى تحولت أعمالهم إلى أعمال سكرتارية لا تعدو تراوح بين التوجيهات الروتينية: للاطلاع، إبداء الرأي، وعمل اللازم، دون حول ولا قوة! والحظر الشديد على أعضاء هيئة التدريس من مزاولة المهنة، والإجراءات المطولة لعقد الندوات والمؤتمرات، والتقتير المالي الشديد في حال مشاركة أعضاء هيئة التدريس في المؤتمرات والندوات الدولية، إذ يكتفى بدفع تكاليف تذاكر السفر فقط لا غير! وكأنما الرسالة الموجهة لعضو هيئة التدريس '' تدبر أمرك ...، لأن المشاركة في المؤتمرات وتطويرك ورفع مستواك المعرفي والمهاري لا يهمنا''، ولكن أليس المطلوب من عضو هيئة التدريس أن يرتقي بالعملية التعليمية ويرفع مستوى أدائه الأكاديمي؟ كل ذلك لا يعنينا ما يهمنا أن تحجر على هؤلاء الطلاب في القاعة مدة المحاضرة وتغرقهم بالواجبات والبحوث!
من هنا كان الاستغراب من الحديث عن وضع استراتجية طويلة المدى في ظل تكدس المشاكل الآنية الضاغطة التي تستدعي المعالجة الفورية بحزم وجدية. أحسب أن الحديث عن استراتجية في هذا الوقت بالذات فيه قفز على الأولويات وتدرج عكسي في تحديد الاحتياجات من المهم إلى الأهم على غير طبيعة الأمور من الأهم إلى المهم. إن افتقاد مؤسسات التعليم العالي لكثير من الأساسيات يقلل من احتمالية نجاح أي استراتجية أو حتى أخذها بجدية.
إن افتقار الجامعات إلى الاستقلال المالي والإداري وارتباطها بالنظام المالي للدولة الذي لا يتناسب مع حيوية الجامعات وسرعة المتغيرات في بيئاتها يجعلها في وضع لا تستطيع أن تؤدي مهامها فضلا عن أن تشارك في وضع الاستراتجيات وتنفيذها. إن الدور الحقيقي للجامعات لا يقتصر على نشاط التدريس وحده، بل يتضمن أنشطة البحوث والدراسات الميدانية والاستشارات المهنية، بل إن كفاءة وفاعلية وظيفة التدريس ذاتها مرهونة بمدى ممارسة أعضاء هيئة التدريس للمهنة وإثراء تجربتهم العملية. إن نجاح العملية التعليمية يرتكز في المقام الأول على الربط بين النظرية والتطبيق، بين ما يُعلم ومكان العمل بين ما يستجد والمهارات المطلوبة وهذا لا يتأتى إلا من خلال التواصل بين الجامعات والقطاعات الأخرى بإتاحة الفرصة كاملة، بل تشجيع أعضاء هيئة التدريس على الانخراط في تقديم خدماتهم المهنية بمكاتب مرخصة نظاما. كما أن إيجاد جمعيات مهنية وليس أكاديمية كما هو حال معظم الجمعيات سيؤدي، بإذن الله، إلى تفعيل التواصل المهني بين المتخصصين والممارسين وإثراء العمل المهني.
إن الاهتمام بوضع استراتيجية ونحن لا نملك المقومات الضرورية، كالفقير المعدم الذي نبذل الجهد لنوفر له كافيار بينما لا يجد ما يستر عورته! فهل يعقل أن توضع استراتيجية دون التهيئة الإدارية والقانونية والبُنى التحتية الأساسية؟ فالجامعات في ظل وضعها الحالي لن تكون قادرة على استيعاب جدوى الاستراتيجية فضلا عن القدرة على تنفيذها وهي مسلوبة الصلاحيات تعاني من قصور مالية وإدارية ''ففاقد الشيء لا يعطيه''. الجامعات وبسبب تراكم واتساع المشاكل التي تواجهها دون المبادرة لمعالجتها أولا بأول جعلها تدار ''إدارة أزمات'' بدلا من التخطيط واستباق الأحداث والاستعداد لها. الآن؟! وقد وقعت الفأس في الرأس أصبح الحديث عن التخطيط للمستقبل، لا بل ووضع استراتجية طويلة المدى تمتد فترة 25 سنة، فأين نحن من هذا في الفترة الماضية؟ هذه ليست دعوة لان نستبعد التخطيط كوسيلة لحل مشاكلنا وتفاديها في المستقبل، إلا أن ما يلزم الالتفات إليه هو التفريق بين الحلول للمدى القصير والطويل، فلا يصح أن نركز على جانب دون الآخر، بل يفترض أن تحتل الحلول في المدى القصير أولوية على حلول المدى الطويل، إذ إنها متطلب وشرط أساسي لنجاحها.
إن الحديث عن استراتيجية بمعزل عن استراتيجية وطنية تمتد للفترة نفسها أمر غير مجد، فالتعليم العالي يمثل جزءا ومكونا أساسيا للاستراتيجية الوطنية، وبالتالي لا نستطيع تحديد دور التعليم العالي في الاستراتيجية الوطنية دون معرفتها وتعريفها، وإلا ما فائدة أن يكون لدينا استراتجية للتعليم العالي لا تؤدي إلى غايات وأهداف وطنية، فعلى سبيل المثال، إذا كانت الاستراتيجية الوطنية تهدف إلى جعل السعودية بلدا صناعيا فإنه يلزم توجيه برامج وخطط التعليم العالي نحو ذلك. وإذا كانت أهداف الاستراتيجية أمرا في غاية الأهمية فإننا لا نستطيع أن نغفل عن مدخلات التعليم العالي التي يأتي على رأسها مخرجات التعليم العام التي هي الأخرى تعاني الكثير من المعوقات لسنا بصدد الحديث عنها هنا، إلا أنها بلا شك لها تأثير سلبي على أداء التعليم العالي وتحتاج إلى إعادة نظر، بل استراتيجية وقبل ذلك عمل الترميمات اللازمة وتأمين الاحتياجات الأساسية حسب المعايير التربوية وليس المعايير البيروقراطية المتهالكة.
إن ما يجب أن نعيه هو أن الاستراتيجية إطار عام ينسق الجهود تجاه هدف مشترك وليس خطة تفصيلية لما يجب عمله بخطوات محددة. وإذا كان كذلك فإنه ينبغي أن يراعى استقلالية الجامعات وتمكينها من اتخاذ القرارات المالية والإدارية ووضع السياسات الخاصة بها ضمن الإطار العام للاستراتيجية. بمعنى آخر، الاستراتيجية لا تعني بالضرورة تقييد حركة الجامعات ولا تعني مركزية القرار بقدر أنها مرشد عام يوجه الجهود نحو الهدف المشترك. من هنا كان من اللازم إدراك الفرق بين مستويين للاستراتجيات أحدها على المستوى الوطني والآخر على مستوى الجامعة. إلا أن الحديث ينصب عن الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي دون النظر في مراجعة لنظام التعليم العالي الذي حجم دور الجامعات وحولها إلى بيروقراطيات منطوية على نفسها غير قادرة على أن تكون عنصر تغيير اجتماعي كما يفترض لها، فالجامعات ظل ينظر إليها كمنظمات تمارس حضانة الفئات العمرية الشابة 18 ـ 24 ولم يفسح لها المجال لأن تتحول إلى مؤسسات اجتماعية لها قيمة اجتماعية وقبول اجتماعي، وبالتالي تستطيع إحداث التغيير الاجتماعي المطلوب والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن تحول الجامعات من منظمات إلى مؤسسات أمر في غاية الأهمية، إذ إن ذلك يعني أن الجامعات أصبحت قادرة على الاستجابة لمتطلبات المجتمع ليس على المستوى الاقتصادي بتقديم الخدمات التعليمية وحسب إنما بوضع برامج تعليمية تعكس التوجهات والاحتياجات الحقيقية للمجتمع. يجب أن تكون الجامعات على مستوى من النضج الإداري حتى تتمكن من أداء دور فاعل ومؤثر حينها يكون الحديث عن استراتيجية وطنية للتعليم العالي مقبولا. لقد عانت الجامعات ولردح من الزمان من التهميش والتحجيم أعتقد أن الوقت مناسب ونحن نتحدث عن وضع استراتجية جديدة أن يستصدر نظام جديد للتعليم العالي يعطي الجامعات المساحة الكافية من الاستقلال الإداري والمالي وإعادة ترتيب أجهزتها الإدارية لتعمل الجامعات كما يفترض لها بفاعلية وكفاءة، وأهم من ذلك تكون قادرة على تنفيذ تلك الاستراتيجية.
المشاكل التي يعاني منها التعليم العالي لا تحتاج منا كثير من الجهد في التعرف عليها، فهي واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار. وهي في مجملها تتعلق بنواح إدارية ومالية لا تتطلب اجتماعات مطولة ولا مداولات ونقاشات مستفيضة، ما تحتاج إليه هو فقط قرار يعيد صياغة نظام التعليم العالي ويوفر الدعم اللازم لتحقيق أداء متميز. وفي هذا السياق يمكن الاستفادة من الاعتماد الأكاديمي في ضمان جودة الخدمات التعليمية. كما يمكن ردم الهوة بين مؤسسات التعليم العالي ومكان العمل الذي يمثل الحل الحقيقي لأكثر المشاكل التي يعاني منها التعليم العالي، باستبدال مجلس الجامعة بمجلس أمناء مكون من أعضاء من الجامعة ومن خارجها يمثلون القطاعات الأكثر صلة بالجامعات.
إن التفكير بوضع استراتيجية هو تفكير إيجابي ومحاولة في وضع حلول طويلة المدى لقطاع التعليم العالي، وهذا أمر محمود إلا أن الاستراتيجية تحتاج إلى آلية لتنفيذها، وهذا لا يتأتى إلا من خلال جامعات قادرة إداريا وماليا على تحويل التطلعات الاستراتيجية إلى واقع ملموس لا أن تقبع حبيسة الرفوف أو أن توزع هدايا على الضيوف، كما هو حال كثير من الدراسات والأبحاث. الاستراتيجية دون التهيئة لها ستكون مثل من ينوي قيادة سيارته الفخمة في الربع الخالي! ولا أود أن أبالغ وأقول سفينته! أخشى ما أخشاه أن تتحول الاستراتيجية إلى أماني وأمنيات وردية مستقبلية تحجب عنا رؤية واقعنا رؤية واضحة وتفوت الفرصة في تقدير حجم المشكلة الحالي، بل تناسيها في غمرة الحماس والاندفاع لوضع استراتيجية للمستقبل. الأدهى والأمر لو تحولت الاستراتيجية إلى وسيلة هروب وهمي من واقع أليم نعجز عن مواجهته إلى أوضاع مستقبلية شكلية ليس لها جذور ولا تمت للحاضر بصلة كالزهور البلاستيكية من دون رائحة ولا حياة!