مستقبل أسعار النفط بين نظريتين: أسعار عالية أم منخفضة؟
<a href="mailto:[email protected]">a@aalhajji.com</a>
الحلقة التاسعة
9. تغير سلوك "أوبك" ورفعها لمستوى السعر المرغوب
تشير البيانات إلى وجود تغير ملحوظ في سلوك "أوبك" منذ اجتماع أعضائها في شهر آذار (مارس) عام 1999، فقد قامت "أوبك" بتغيير الإنتاج بشكل متكرر منذ ذلك الوقت، كما أنها تجاوبت مع السوق بشكل أكثر مرونة من قبل. تخلت "أوبك" عن النطاق السعري الذي تبنته عام 2000، ولم تتبن بديلاً عنه حتى الآن، إضافة إلى ذلك فإنها قامت بتغيير محتويات سلتها من سبعة أنواع قياسية من النفط إلى 11 نوعاً.
في الوقت الذي يرى فيه بعض الخبراء أن "أوبك" نجحت نجاحاً باهراً في السنوات الأخيرة في إدارة أسواق النفط العالمية عن طريق تغيير الإنتاج ورفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، يرى آخرون أن ارتفاع الأسعار لا علاقة له بسلوك "أوبك"، وأن الأسعار كانت سترتفع بغض النظر عما فعلته "أوبك" بسبب عدم مواءمة نمو الطاقة الإنتاجية لنمو الطلب العالمي على النفط. ويستدلون على ذلك بأن الأسعار القياسية كانت مفاجئة حتى لوزراء "أوبك"، وأن قرارات "أوبك" القاضية برفع سقف الإنتاج هدفت إلى تخفيض مستويات الأسعار.
تغيرات هيكلية
يرى أنصار نظرية التغيرات الهيكلية أن "أوبك" ستدافع عن أسعار النفط إذا انخفضت تحت 50 دولارا للبرميل، الأمر الذي يعكس تغيراً جذرياً في تفكير "أوبك" التي حاولت لسنوات طويلة تثبيت الأسعار حول متوسط قدره 25 دولارا للبرميل. هذا التغير سيضمن استمرار الأسعار في مستوياتها المرتفعة. بعبارة أخرى، ستقوم "أوبك" بتخفيض الإنتاج إذا استمرت الأسعار في الانخفاض.
يرى بعض الخبراء المؤيدين لهذه النظرية أنه رغم وجود قناعة عامة بأن بعض دول "أوبك" ستتجاوز حصصها الإنتاجية، إلا أن هناك قناعة لدى التجار أن السعودية ستتحمل معظم عبء التخفيض كما فعلت في الماضي، الأمر الذي سيضمن بقاء الأسعار في مستوياتها المرتفعة. يعزز هؤلاء الخبراء رأيهم بتصريحات لبعض المسؤولين التي تؤكد أن السعودية لن تسمح بتكرار تجربة الثمانينيات عندما عانت من انهيار أسعار النفط، وبوجود فائض مالي كبير يمكنها من الاستمرار في تخفيض الإنتاج لفترة تتجاوز العامين. إن وجود الفائض المالي في هذه الحالة يجعل من السهل على السعودية تخفيض الإنتاج للحفاظ على الأسعار، حتى لو لم تقم دول أوبك الأخرى بتخفيض الإنتاج.
هناك مؤشرات أخرى على تغيير سلوك "أوبك"، فقد زاد تعاون "أوبك" مع الدول المستهلكة ووكالة الطاقة الدولية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ونتج عن ذلك إنشاء منتدى الطاقة الدولي الذي يتخذ من الرياض مقراً له، كما تم التعاون بشأن قاعدة البيانات المشتركة المعروفة اختصاراً بـ "جودي".
الرأي لآخر
يؤكد أنصار نظرية التغيرات الدورية على أن أسعار النفط ستنخفض وأن دول "أوبك" ستتجاوز حصصها الإنتاجية في حالة توافر طاقة إنتاجية فائضة أو اتخاذ قرار بتخفيض الإنتاج. يؤكد أنصار هذه النظرية على أربعة أمور: الأول أن دور "أوبك" في رفع أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة كان محدوداً جداً، وإن كان هناك دور لـ "أوبك" في رفع أسعار النفط فإنه يتمثل في عدم زيادة مستويات الاستثمار لرفع طاقتها الإنتاجية بشكل يتناسب مع نمو الطلب العالمي على النفط. الثاني أن عدم توافر طاقة إنتاجية فائضة خلال الأعوام الثلاثة الماضية وارتفاع أسعار النفط بشكل كبير لعبا دوراً كبيراً في انسجام وتوافق دول "أوبك"، وأسهما في تخفيف حدة المنافسة بينها. هذا يعني أن "شهر العسل" سينتهي عندما تنخفض أسعار النفط. الثالث أن نظام الحصص الحالي لا يتفق مع الطاقة الإنتاجية لبعض الدول الأعضاء، خاصة نيجيريا والجزائر، فإذا تم تعديل حصة هذين البلدين صعوداً، فإنه، وفقاً لتوقعات الطلب الحالية، لن يتم إلا على حساب حصص دول أخرى، وهو أمر يصعب تطبيقه. وإذا لم يتم تعديل حصص هاتين الدولتين، فإنهما ستستمران في الإنتاج فوق حصصها الإنتاجية. في كلتا الحالتين ستخفض أسعار النفط. الرابع أن قيام السعودية بإنفاق مليارات الدولارات لرفع طاقتها الإنتاجية إلى 12 مليون برميل يومياً يجعل من الصعب تصديق الرأي القائل إن السعودية ستخفض إنتاجها بشكل ملحوظ للحفاظ على أسعار النفط في وقت تقوم فيه دول منافسة، خاصة روسيا وإيران، بزيادة إنتاجها وبيع النفط بأي سعر.
فشل النطاق السعري منذ البداية، الأمر الذي جعل "أوبك" تتخلى عنه لعدم إمكانية تطبيقه. ولا يعد تبني النطاق السعري أو التخلي عنه تغييراً في سياسات "أوبك"، لأن "أوبك" لم تتبن النطاق رسمياً، ولم يظهر النطاق في تصريحات "أوبك" الرسمية إلا عندما تخلت عنه رسمياً في بداية عام 2005. أما تغيير محتويات السلة فإنه تحصيل حاصل، لأنها مسألة حسابية على الورق عكست الواقع. إذن فكل ما يراه البعض على أنه "تغير" في سلوك "أوبك" لا حقيقة له، خاصة أن أغلب التخفيض الذي قامت به "أوبك" منذ عام 1999 جاء من السعودية. قد يستدل البعض بالبيانات التي توضح انخفاض إنتاج بعض الدول الخليجية بما يتفق مع التخفيض الذي أقرته "أوبك"، ولكن هؤلاء يتجاهلون حقيقة مهمة، وهي أن موافقة هذه الدول على التخفيض كانت تحصيل حاصل، لأن إنتاجها كان سينخفض على كل الحالات بسبب عمليات الصيانة.
يرد أنصار نظرية التغيرات الدورية على أنصار نظرية التغيرات الهيكلية أن التعاون مع الدول المستهلكة لا يدل على تغيرات هيكلية وليس هناك دليل واحد على أن الدول المستهلكة ستحاول إنقاذ قطاع النفط في الدول المنتجة إذا انهارت أسعار النفط. أما قاعدة بيانات "جودي" فإنها ما زالت "شكلية" و"ثانوية"، حيث ما زال المتخصصون والخبراء والمحللون يعتمدون على بيانات وكالة الطاقة الدولية ووزارة الطاقة الأمريكية وشركة النفط البريطانية، وبيانات "أوبك" إلى حد ما.