شركة الكهرباء .. التماسات كثيرة

<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@hotmail.com</a>

يواجه قطاع الكهرباء عدة مسائل برزت على السطح على أثر الانقطاع في التيار عن المدن الصناعية، خاصة في المنطقة الشرقية والرياض. وقد جاء هذا الانقطاع بعد أسابيع قليلة مما ذكر عن استقالة الرئيس التنفيذي الذي لم يدم طويلا، وكذلك الحديث عن قرض تمويلي حكومي آخر. وكأي معضلة كبيرة في هذا القطاع المهم تسبقها عدة تراكمات ومشاكل قد تبدو بسيطة أو على شكل خلافات حول السياسات المتبعة لإدارة القطاع في بداياتها، ولكن لا تلبث إلا أن تتفاقم وتأخذ بعدا مصيريا على الاقتصاد وحتى المستهلك في النهاية.
بدأت الحكومة بتوجه صحي في دمج الشركات القائمة لأسباب اقتصادية "تقليل التكاليف غير العاملة، تمهيدا لفصل الشركة وظيفيا التوليد, النقل, والتوزيع، بهدف التخصيص لاحقا"، وفنية "ربط المملكة كهربائيا – تجانس الخبرة وزيادة الفاعلية.. إلخ". لهذه الرؤية أهداف جيدة وتحاكي المستقبل، ولكن لم يكن هناك استعداد صريح وفاعل لمواجهة الاستحقاقات المترتبة عليه. الهدف هو أن يكون قطاع الكهرباء ذا فاعلية اقتصادية عالية "استقرار في التيار لخدمة العملاء بأقل التكاليف من خلال منافسة ورقابة"، هذا الهدف تنطوي عليه عملية تخصيص فاعلة "تعكس قوى العرض والطلب والكفاءة الإدارية والبشرية"، وليس شكلية "تعكس أن نسمي مؤسسة حكومية غير فاعلة بمسمى شركة ونطرح بعض الأسهم للتداول ونرفع رواتب موظفين كبار بعضهم غير مؤهل"، وشتان بين الاثنين.
ترغب الحكومة، وهذا توجه تشكر عليه، في تخفيف وطأة التكاليف على الصناع والمواطنين من خلال بيع الكهرباء بأقل من سعر التكلفة وبغير تجانس "هناك اختلاف كبير في التوليد والتوزيع والنقل وأنماط الاستهلاك بين القطاعات والمناطق، مما يشوّه الصورة الاقتصادية لهذا القطاع". ليس هناك ما يمنع، بل قد يحبذ الدعم المباشر للمستهلك المستحق والمصنع "الذي يحتاج إلى مساعدة أولية ولمدة زمنية معيّنة" مباشرة، ولكن يفضل أن يترك قطاع الكهرباء ليأخذ مكانة اقتصادية يمكن الدفاع عنها، وبذلك يعزل الدعم عن اقتصاديات الكهرباء. وبما أننا لم نأخذ بهذا الأسلوب الواضح في التعامل أوجدنا عدة التماسات تشوّه الصورة من ناحية وتبدد اللوم من ناحية أخرى، فالكل مسؤول ولا أحد مسؤول "إدارة الشركة تلوم التسعيرة غير العادلة والبعض يلوم إدارة الشركة مجلسا وإدارة تنفيذية، ومن يمد بالوقود له ملاحظات أكثر"، وبينهم جهة رقابية ولدت ميتة، فليس هناك منافسة ولا تخصيص لكي تراقب و"تجبر" لتقديم الخدمة على تسعيرة تعكس اقتصاديات فاعلة "إيجاد التوازن بين تقديم خدمة يعتمد عليها بأفضل الأسعار وبعائد معقول للمستثمرين في هذا القطاع". هذا البطء في حسم التقسيم الوظيفي لقطاع الكهرباء تمهيدا لتخصيصه وضع هذا القطاع في حالة وسطية غير واضحة لا تخدم هذا القطاع أو الاقتصاد السعودي، ونحن نعايش بعض تبعاته الآن، ومنها مدلولات إدارية تتضح في الحالة المعنوية لمتوسطي وصغار موظفي هذه الشركة، بينما يجلس كبار موظفي الشركة في تنافس إداري عقيم بعيدا عن حالة الخدمة على أرض الواقع، ولا حتى مجلس الإدارة قادر على التعامل مع هذا الوضع، بل تجده يعوم بين الوزارات ذات العلاقة وبين الإدارة، ولا شك أن الكثيرين منهم مخلصون في عملهم، ولكن الشركة ليست في أفضل حال إدارية على وجه العموم.
لا يؤتي التخصيص ثماره حينما يؤخذ به كأنصاف حلول تضيع في دهاليز البيروقراطية، بل يجب أخذه كاملا، ولعل ملاحظات سمو ولي العهد الأمير سلطان حول الرغبة في التعامل مع الجهاز البيروقراطي وعواقبه الوخيمة على الاقتصاد السعودي بارقة أمل.
تقدم لنا الوفرة المالية حاليا فرصة طيبة لإصلاح وتقويم هذا القطاع امتدادا للرؤية الحكومية الصائبة، التي لم يستطع القائمون على قطاع الكهرباء تنفيذها بسبب تعدد الالتماسات من ناحية، وقصور إداري من ناحية أخرى، ليس التخصيص عصا سحرية لحل كل مشاكل القطاعات، ولكنه منهج عملي اقتصادي يزيد الفاعلية والإنتاجية، ويقلل التكاليف المجتمعية ويفرز الكفؤ من غير الكفؤ. أحد شروط النجاح أن يبذل جهدا في اختيار المدير ثم يسلم سلطة فاعلة لكي تكون هناك مساءلة منطقية وذات مغزى عملي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي