صناعة المستقبل .. عبر استراتيجية وطنية
<a href="mailto:[email protected]">aashiha@yahoo.com</a>
أين نحن ذاهبون؟ .. وما علينا فعله؟ .. وما نرغب أن نكون عليه بعد عقدين أو ثلاثة من الآن؟ .. ما تطلعاتنا المستقبلية؟ .. أسئلة في غاية الأهمية لو طرحت على مسؤول أو موظف في قطاع حكومي أو رجل أعمال أو طالب في المرحلة الثانوية أو الجامعية أو أحد من عامة الناس، هل يا ترى يستطيع الإجابة عنها؟! أخشى أن الكثيرين منا لا يملكون الإجابة! حتى ولو بحثوا عنها! لأنه ببساطة ليست هناك إجابة! وهذه معضلة كبرى بل أكبر عائق للتنمية والسعي إلى اللحاق بركب التقدم والتطور وتحقيق مشروعنا التنموي. الكل يعمل ويستثمر ويدرس, ولكن السؤال لماذا نقوم بهذه الأعمال؟ وما الذي نأمل تحقيقه؟ وما الهدف الاستراتيجي من كل ذلك؟ لا أحد يعلم! المشاريع والنظم والقرارات وأداء العاملين في الغالب أهدافها آنية تحاول معالجة مشاكل ملحة ومتراكمة, وهكذا نمضي في انتهاج إدارة الأزمات دون أن نحاول التطلع للأفق ونحدد وجهتنا ونجتهد في صناعة المستقبل وتهيئة الظروف الملائمة للأجيال المقبلة. وإذا ما كانت هناك مبادرات للتخطيط فإنها تقتصر على النواحي التشغيلية التنفيذية أو أنها مجموعة مجلدات لا أحد يلتفت إليها ولا تؤخذ بجدية لأنها حزمة أمان بعيدة عن الواقع صيغت صياغة بيروقراطية لا يتعدى مداها السنوات الخمس غير إلزامية التنفيذ, وبالتالي تبقى دون متابعة ومعرفة إلى أي مدى تم تحقيق أهدافها! ذلك أن الفاعل الحقيقي في عملية التخطيط للتنمية وقراراتها وزارة المالية وليس وزارة الاقتصاد والتخطيط الجهة المسؤولة عن رسم الخطط التنموية! وزارة المالية هي ما تقرر أولويات المشاريع وحجمها وما يجب تنفيذه وما لا يجب وكيفية الصرف من المخصصات وليست الأجهزة الحكومية ذات الاختصاص! لذا ظلت الأجهزة الحكومية مقيدة حبيسة توجيهات وزارة المالية ونظامها المالي شديد المركزية لا تملك التقرير ولا يحق لها الإبداع والابتكار, بل على العكس تماما دفعت نحو المحافظة على الحالة ذاتها والإبقاء على الأشياء, كما هي دون الاتجاه نحو التغيير وإيجاد أوضاع أفضل، فنستمر على النهج والقرارات والسلوكيات ذاتها غير آبهين بمتطلبات المرحلة المقبلة وتحدياتها. المستقبل في قاموسنا إطاره الزمني لا يتعدى بضع سنوات أو حتى أشهرا. اهتمامنا بالمنتج لا بالنتيجة. تفكيرنا كيف نعيش حاضرنا فيكون أن نغدق على أنفسنا فسيتحوذ علينا الفكر الاستهلاكي والإنفاق من أجل مشاريع لا تنقل المجتمع إلى مراحل أكثر تقدما في الإنتاج وتطور صناعي حقيقي يمكننا ليس فقط من مواجهة المتغيرات والظروف المستقبلية ولكن القدرة على المبادرة في إيجاد أوضاع جديدة تعطينا ميزة تنافسية وتفضيلية نكون فيها أكثر قوة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا, وبالتالي أكثر سيطرة وفاعلية على ما يدور من حولنا من أحداث.
هذا الوضع أدى إلى إفرازات سلبية وظواهر إدارية واجتماعية ما زلنا نحاول معالجتها بوسائل أشبه ما تكون بالمهدئات دون الخوض في جذور المشكلة وهو غياب الاستراتيجية الوطنية التي تستجمع وتنسق الجهود وتحدد الأدوار والمهام لكل المنظمات الحكومية والخاصة وتبعا لأداء الأفراد الذين يعملون داخلها. في ظل غياب استراتيجية وطنية يغيب الوعي بما يجب تحقيقه ونفتقر إلى الربط المتتابع بين ما يؤدى من أعمال يومية والأهداف السنوية والأهداف الاستراتيجية. لقد بات من الضروري لتحقيق نقلة نوعية للمجتمع على جميع الأصعدة أن تكون هناك استراتيجية وطنية تحدد معالم المستقبل, وكيف نرغب أن نكون عليه بعد 30 سنة من الآن اقتصاديا وصناعيا واجتماعيا وثقافيا. ومن ثم العمل على توجيه جميع الطاقات والجهود والموارد نحو تحقيق الهدف الاستراتيجي. ولتحقيق ذلك يجب أن يكون الجميع على دراية ومعرفة وقدرة ورغبة واقتناع بالاستراتيجية. وكل على علم بدوره وما عليه فعله لتحقيقها، وأن أي خطأ أو تخاذل أو تراخ من أي طرف, فردا كان أو مؤسسة, يؤدي إلى تعطيل الجهد الجماعي ويعوق تحقيق الهدف المنشود يمكن اكتشافه وتعديله. بمعنى آخر أن يكون هناك نظام متكامل يحدد الأدوار والمهام في إطار الهدف الاستراتيجي المشترك. ينشأ عن ذلك وعي لدى المؤسسات والأفراد بما يقومون به من عمل مدركين تماما أهدافه والمعنى الحقيقي المتكامل لأدوارهم في الصورة الكبيرة للاستراتيجية. إنها بمثابة جداول مياه صغيرة تتحد لتكون نهرا عظيما يتدفق بقوة ليشق طريقه بين الصخور نحو مصبه الأخير.
إن أكبر مشكلة نعانيها في المجتمع جراء غياب استراتيجية وطنية جادة هي التراخي الإداري واللامبالاة للموظفين وتردي مستوى الإنتاجية وافتقار جودة الخدمة, لأنه ليس هناك ربط بين الأداء والأهداف التي يجب تحقيقها, وبالتالي لا معايير لقياس الأداء والنتائج, ولا عقوبات صارمة للمقصرين في ظل تنظيم إداري دون أهداف استراتيجية. لقد ترك الأمر برمته للبيروقراطيات العامة تقرر وتشرع وتنفذ بناء على معاييرها الداخلية دون أن يكون هناك رابط استراتيجي فيما بينها يوحد وينسق الجهود ويوجهها نحو هدف مشترك، إضافة إلى عدم وجود رقابة ومحاسبة سياسية من مجالس نيابية لهذه البيروقراطيات. هذا الوضع جعل الأجهزة الحكومية تنشغل بهمومها اليومية الروتينية ولا تلتفت إلى الخطط المستقبلية, وكيف ذاك ولا توجد استراتيجية وطنية يسعى الجميع إلى تحقيقها ويقاس الأداء على أساسها؟ وبذلك أصبحت المشاريع والبرامج الحكومية دون هوية مستقبلية فافتقدت الأهمية وغابت الأهداف الحقيقية, وتبعا انعكس ذلك على سلوكيات وتصرفات الموظفين الذين استقر في أنفسهم ضآلة دورهم وإحساسهم بعدم أهمية ما يقومون به وعدم إدراك الصورة الكبيرة وإسهامهم في رسمها. ولهذا السبب تحول العمل الحكومي إلى مجرد عمل دون أهداف استراتيجية ما أدى إلى نشوء ثقافة وبيئة إدارية تستند إلى الولاء وليس الكفاءة والفاعلية، على التبعية وليس الإبداع والابتكار، على عدد ساعات العمل وليس كميته وجودته. وهذا يفسر الكثير من المشاهدات اليومية للأخطاء الإدارية والسلوكيات النشاز لبعض الموظفين مردها فلسفة متجذرة في عقولهم ونفسياتهم وهو التفضل على المراجعين بتقديم الخدمة منة منهم وتكرما! بل إن طريقة تقديم الخدمة توحي بعدم الاكتراث واللامبالاة وكأنة أمر مفاجئ لم يستعدوا له ولم يتوقعوه.
هكذا هي الحال في معظم الأجهزة الحكومية دون انضباطية في التعامل ودون معايير مهنية ودون زمن محدد لتقديم الخدمة ودون محاولة للاستفادة من تقنيات الاتصال الحديثة والخدمات البنكية المالية. ويكون الأمر أدهى وأمر في حال المؤسسات شبه الحكومية مثل الخطوط الجوية العربية السعودية التي يفترض أن تكون أدق تنظيما في أدائها وأكثر تفاعلا مع عملائها إلا أن شيئا من هذا لا يحدث. فهاهي طوابير المسافرين الطويلة وكأنه فجأة تم تسريح معظم العاملين في المؤسسة! والتعامل الفظ من موظفي "الخطوط" وكأنه لا بديل لهم! وقد ُتركوا دون رقيب أو حسيب. العجيب أن نتحدث عن السياحة الوطنية والناقل الوطني بهذا التردي من التعامل. هذا يؤكد ما تقدم من أن غياب الاستراتيجية الوطنية يؤدي إلى هكذا سلوكيات وأداء.
الحديث يطول عن أهمية استراتيجية وطنية وما تتطلبه من إعادة للتنظيمات والسياسات والبرامج الإدارية ونظم الاتصال وعملية صنع القرارات العامة والنظم المالية العامة في إطار من معايير الإنتاجية والمهنية والأخلاقية وإيجاد بيئة عمل ومناخ إداري يدعو إلى الإبداع والابتكار ويدفع نحو تعلم أشياء جديدة والبحث عنها ليقود في النهاية إلى الارتقاء بالمجتمع ورفع إمكاناته الاقتصادية والأمنية ورفع المستوى المعيشي من خلال خدمات عامة مميزة!
أمر آخر يجب التنويه إليه في خضم حديثنا عن استراتيجية وطنية وهو التفريق بينها وبين تلك المتعلقة بالمناطق والمحليات، وأهمية الربط بينها. إن إدراك هذا التفاوت والاختلاف بين مستويات الاستراتيجيات الوطنية والمناطقية والمحلية من شأنه تحديد الأدوار المناسبة لكل مستوى وبما يتفق مع طبيعة المشاكل والقضايا التي تواجهها. من هنا كان من الضروري عدم إغفال دور المحليات في عملية التنمية, إذ إنها بمثابة الجذور والأساس والمرتكز لها. وهذا يستدعي المزيد من التوجه نحو التخفيف من المركزية حتى تتحمل المحليات مسؤولية التنمية المحلية, فهي الأقدر على ذلك, ولكن ضمن الاستراتيجية الوطنية.