المؤسسات المصرفية الإسلامية والأمن الغذائي
<a href="mailto:[email protected]">mdukair@yahoo.com</a>
عقدت في مدينة جدة مسائي الأربعاء والخميس الماضيين الندوة السابعة والعشرين في مجال الاقتصاد الإسلامي التي ترعاها مجموعة البركة المصرفية سنويا في شهر رمضان من كل سنة. وقد ناقشت ندوة هذا العام عدداً من القضايا المهمة، منها موضوع حق الانتفاع وضوابط نقله، وموضوع المشاركات الزراعية ودور المؤسسات المالية الإسلامية في تمويل النشاط الزراعي في البلاد العربية والإسلامية. كما تناولت الندوة بعض المشكلات القانونية والقضائية في تطبيقات المؤسسات المالية الإسلامية، وكذلك الصفات المؤثرة في العلاقة بين الشركات، خاصة ما يتعلق بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية وحقوق الملكية والسيطرة.
وتأتي رعاية مجموعة دلة البركة مثل هذه الندوات كاتجاه محمود تتميز به هذه المجموعة عن غيرها من المؤسسات المصرفية الأخرى، التي تكتفي بتلقي وتطبيق صيغ التمويل التي تتولد عن جهود وأبحاث ما يعرف بالهندسة المالية الإسلامية، دون الإسهام في رعاية مثل هذه الندوات أو الإنفاق المادي على جهود العلماء وبحوثهم التي تفضي إلى ابتكار مثل هذه الصيغ التمويلية الجديدة المواكبة لمقتضيات العصر، والداعمة لتأصيل ونشر ثقافة الاقتصاد الإسلامي في مؤسساتنا وحياتنا الاقتصادية.
وقد استرعى انتباهي من مواضيع ندوة هذا العام، الموضوع الذي تناول كيفية تأصيل وتطوير عقود المشاركات الزراعية لجعلها ملائمة للتطبيق من قبل المؤسسات المالية الإسلامية. إن أهمية هذه العقود تنبع من حقيقة أنها سوف تخدم بشكل مباشر الجوانب التمويلية المتعلقة بمسألة الأمن الغذائي المفقود في عالمنا العربي والإسلامي. وما من شك في أن التقاء المال مع الأرض سوف يصب في اتجاه تدعيم هذا الأمن. وفي عالمنا العربي هناك دول تتميز بوفرة رأس المال الجاهز للمشاركة في تمويل المشاريع الزراعية التي تشتد لها حاجة الاستهلاك في منطقتنا العربية. ومن ناحية أخرى هناك دول تتوافر لها الأراضي الخصبة والأنهار الجارية. وهذه المشاريع التي تتطلب تلاقي المال مع الأرض في حاجة ماسة إلى تطوير عقود تمويل تكون، أولا مقبولة من الناحية الشرعية، و ثانيا قابلة للتطبيق العملي من قبل المؤسسات المصرفية. ذلك أن من أكثر عوائق انتشار تطبيق عقود المشاركات في المؤسسات المصرفية الإسلامية، ارتفاع نسب المخاطر الأخلاقية فيها Moral Hazard وهو ما يجعل مثل هذه العقود قليلة الجاذبية والتطبيق بالنسبة للمؤسسات المصرفية.
وعلى الرغم من أن متطلبات الرقابة الإدارية في عقدي المساقاة والمزارعة، أقل منها في عقد المغارسة، إلا أنها جميعها تندرج تحت عقود المشاركات التي ترتفع فيها نسب المخاطر الأخلاقية مقارنة بصيغ التمويل القائمة على البيوع الآجلة.
ولئن كان مقبولا مرحليا في فترة تأسيس وتطوير العمل المصرفي الإسلامي أن تجرى أغلب عمليات التمويل من خلال صيغ البيوع الآجلة، فإن مؤسساتنا المصرفية الإسلامية مدعوة الآن، بعد أن ثبت نجاحها، إلى القيام بدورها المأمول في الانخراط أكثر في التمويل القائم على عقود المشاركات. ولعل واحدة من أهم عقود المشاركات هي المشاركات الزراعية التي تشتد حاجة مجتمعاتنا العربية والإسلامية إليها، في ظل تواضع نسب الإنتاج الزراعي المحلي وارتفاع نسب الاستهلاك والاستيراد مما يشكل خطورة أمنية بالغة على مجتمعاتنا من الناحية الغذائية.
إن نجاح تطوير مثل هذه الصيغ التمويلية المستمدة من عقود المشاركات الزراعية ( كالمساقاة، والمزارعة، والمغارسة) سيعمل على تشجيع المصارف الإسلامية على زيادة نسب تمويل النشاط الإنتاجي الذي لا يحظى منها باهتمام يذكر حتى الآن، مقارنة بالاستغراق الذي مارسته منذ نشوئها في تمويل النشاط الخدمي. وعلينا أن نتذكر أن فلسفة المصارف الإسلامية قامت في الأصل من الناحية النظرية على أنها مصارف مشاركة في تنمية الأنشطة الاقتصادية الحقيقية في المجتمع، لا مجرد وسيط مالي سلبي كما هو الشأن في فلسفة التمويل الربوي.
وكنت قد ذكّرت الشيخ صالح كامل راعي الندوة- في مداخلة لي - بما كان قد أفضى به إلي منذ عدة سنوات.. من أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لبدأ نشاطه في الوساطة المالية من خلال الصناديق الاستثمارية بدلا من النشاط المصرفي. وعليه فعلينا عدم إغفال فكرة الصناديق الاستثمارية التي يمكن تطبيقها على النشاط الزراعي أيضا، خاصة أن هذه الصناديق صادفت نجاحا باهرا في العقود الأخيرة ليس فقط علي المستوى العالمي، بل على المستوى المحلي. وميزة هذه الصناديق أنه يمكن تحويل المساهمات فيها إلي صكوك قابلة للتداول، وهي الصكوك التي أجاز المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة تداولها إذا كانت تمثل في أغلبها أعيانا ومنافع لا مجرد نقود. ولا شك أن جعل صكوك المساهمات في هذه الصناديق قابلة لتداول يزيد من جاذبية تسويقها، كما أن زيادة كمياتها مع الوقت ستولد أسواقا منظمة لها مما يجعلها أدوات ادخارية مناسبة للأفراد والشركات وللمصارف ذاتها. ومن ناحية أخرى فإن هذه الصناديق الاستثمارية المخصصة لتنمية النشاط الزراعي، لن تواجه بعض الصعوبات التطبيقية الفنية التي ستواجه المصارف لو دخلت في عقود مشاركات زراعية مباشرة مع المتموليين من ملاك الأراضي الزراعية، مثل مسألة من يتولى من الشركاء إخراج الزكاة أومن يدفع تكاليف الضرائب والجوائح الطبيعية قبل إتمام عملية المقاسمة، أو لمن تعود بعض المنافع التي يمكن أن تتحقق قبل المقاسمة.
إن من أهم مظاهر رقي المجتمعات اهتمام مؤسساتها العامة والخاصة بالعلماء والإنفاق بسخاء على الأبحاث العلمية الخلاقة التي ستعود بالفائدة على الجميع.