هل نقدر رمضان بالعمل الصالح ديناً ودنيا؟
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@hotmail.com</a>
يستقبل المسلمون هذا الشهر الكريم بتلهف للعمل الصالح، ورغبة في تطهير النفس وتكريس العمل لوجه الله من صلوات وصيام ودعاء، ويفرض هذا الشهر تذكير العبد بكيفية تعايشه مع الحياة الدنيا عملاً وتعاملاً. كل منا على حسب قدرته سوف يتوجه إلى الصيام والصلاة والتعبد وعمل الخير في مساعدة المحتاجين. وبما أنه ليس هناك خلاف في الرغبة الدينية الصادقة للتجاوب والتفاعل مع أحد أركان الدين الحنيف، لذلك فهذه المقالة تتعامل مع الجوانب الأكثر تواضعاً، أي الجوانب والممارسات الحياتية في شهر رمضان المبارك. القيمة الروحانية وانسجام العبد في تواصله مع خالقه لا تعادلها أي قيمة مادية.
يشكل شهر رمضان نحو 10 في المائة من حياتنا إذا أضفنا ما يسبقه من أيام قليلة للاستعداد، ولذلك فهو جزء معتبر من حياة المواطن. أحد أهم ما يميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان هو الحث على العمل والبناء وتطوير القدرات الذاتية للفرد والمجتمع. ولعلنا في شهر رمضان الفضيل الذي عادة ما يقرب الإنسان إلى ربه نتذكر كمواطنين الحاجة إلى رفع مستوى المسؤولية الجماعية وحاجتنا إلى بعضنا في الضراء والسراء، وإنها مسؤولية دينية قبل أن تصبح دنيوية، وأن الكلمة الطيبة المسؤولة تخدم المجتمع.
تاريخياً وحتى وقت قريب كان المسلمون يعاملون شهر رمضان كأي شهر آخر من الناحية العملية، بل ربما أكثر ولكن في العقود القليلة الماضية ظهرت هناك ظاهرتان جديرتان بالاهتمام وتصبان ليس في عكس اتجاه مصالح المجتمع فقط وإنما لا تتعايشان مع رسالة شهر رمضان المبارك وهما كالتالي: أحد المعاني المهمة في شهر رمضان هو تذكير المسلم بحياة من هو أقل حظاً منه في الدنيا ولما للامتناع عن الأكل والشرب والصبر المترتب على ذلك من اتحاد في الموقف مع الفقير وفرصة في مساعدة المحتاجين، وهذا لا يزال قائماً لحسن الحظ ولكنه يتآكل نسبياً مقارنة بتصاعد الناحية الاستهلاكية. أحد أهم الملاحظات اليوم هو تزايد الاستهلاك وزيادة المصاريف وكبر حجم الموائد نوعاً وعداً، مما ينقص قيمة أحد هذه المعاني الطيبة في هذا الشهر الطيب. الكثير منا انتقل من شكر الرب على النعم إلى تفريغ أحد هذه المعاني من مضمونها، وساعد المجتمع على اعتناق الاستهلاك، الدعاية القوية من قبل تجار المواد الاستهلاكية وما في ذلك من خسائر على المجتمع والاقتصاد، وخاصة أن الغالبية العظمى من هذه المواد الاستهلاكية هي مستوردة وليست ذات قيمة مضافة للاقتصاد السعودي. الملاحظ على أنماط الاستهلاك في شهر رمضان تعدد الوجبات (ولو أن كل بيت له ترتيبه الخاص) فبدلاً من وجبتين أو ثلاث وجبات، في اليوم العادي تجد الكثير في رمضان له أربع وجبات وما بين هذه الوجبات من الباقيات الجسام. تجدنا نبدأ بالبسيط من تمر وقهوة وما يحمله هذا التبسيط من رسالة واضحة من التواضع ثم ننتهي بالتهويل في عدد الصحون. لعل الإعلام التجاري يستغل الشهر الكريم بجذب المستهلك المغلوب على أمره.
يبقى الاستهلاك أخيراً معادلة فردية وظاهرة جماعية عالمية يصعب التعامل معها، ولكن الظاهرة الأخرى تبدأ من منطلق عام يسهل التعامل معه إذا توافرت الإرادة.
الملاحظة الأخرى والتي قد تكون أهم هي ساعات العمل في شهر رمضان حيث تعتمد الأجهزة الحكومية والمؤسسات تباعاً على تغيير ساعات العمل بالتأخير، ومن حسن الحظ أن لدينا القدرة إذا توافرت الإرادة في التغيير السريع للتعامل مع هذا العامل. فلما نقرر أن ساعات العمل تبدأ متأخرة فإنما نقر ونقبل بالسهر المتواصل في شهر رمضان للعاملين والطلاب والطالبات مما يؤثر في أدائهم في ساعات النهار، بالإضافة إلى تقليل ساعات العمل. فيصبح شهر رمضان من أقل الأشهر أداء وإنتاجية في مجتمع ليس معروفا عنه التميز في الإنتاجية أصلاً. من منا لا يتذكر أن المدارس والأعمال كانت تبدأ في ساعات الصباح الأولى (كما في غير شهر رمضان) ولم يتأثر الأداء، بل البعض منها كان يعجل ساعات العمل في شهر رمضان مستغلاً استعداد الأغلبية للعمل بعد صلاة الفجر بساعة تقريباً.
الأمل أن تنظر الأجهزة الحكومية في هذا الأمر المهم وتبدأ بإعادة ساعات العمل إلى سابق عهدها، خاصة أن أغلب الأعمال غير متعبة للصائم وحتى لو تعبنا قليلاً فهذه قد تكون رسالة سماوية مفيدة. فليت المجتمع يستفيد من بعض تجارب الماضي للتعامل مع بعض المشكلات الحالية في تشريع السهر وضياع الوقت. لعل هذا الشهر الكريم يذكرنا مرة أخرى بمفاهيم الإسلام الطيبة ديناً ودنيا لمستقبل مشرف وروح أمل وعمل متفائلة.