رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


صناديق استثمار يحتاج إليها المجتمع

<a href="mailto:[email protected]">mohbakr@alum.mit.edu</a>

من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن حبب إليهم العطاء والإنفاق لمساعدة المحتاجين والمنكوبين، وفتح لهم في سبيل ذلك أبوابا عدة للبر والإحسان كل على قدر سعته. ولقد ألف المجتمع المسلم مع كل إطلالة لشهر رمضان الكريم أن تتسامى فيه روح الخير وتتجلى في جنباته مشاعر المودة والتراحم، حيث يتسابق الناس إلى إطعام المساكين، تفطير الصائمين، ودفع زكوات أموالهم إلى المحتاجين من ذوي القربى وغيرهم، وجمعيات البر وتلك التي تعنى برعاية فئة بعينها من المجتمع كالأطفال المعوقين واليتامى والأرامل.
إلا أن التآكل التدريجي في الروابط الأسرية مقرونا بنمو سريع في عدد السكان وانتشار في رقعة جغرافية واسعة، شكّل عوامل أدت في الآونة الأخيرة إلى تحولات كبيرة في تركيبة المجتمع والعلاقات بين أفراده امتدت آثارها للعمل الخيري. ولعل من أهم تلك الآثار بروز أنماط جديدة من الاحتياجات في المجتمع تشكل مصارف جيدة للصدقات وربما الزكاة أيضا، غير أن طبيعة تلك الأنماط تجعل من الصعب التعامل معها من خلال الآليات التقليدية للبذل والإنفاق.
لقد اتسعت الدائرة التي يمكن للعمل الخيري أن يتحرك فيها لسد ما قد يكون هناك من عجز في مجال الخدمات الصحية، التعليم، والرعاية الاجتماعية التي تتطلب بناء مرافق وتجهيزات معقدة ومكلفة. ولا تقتصر تلك التكلفة على عنصر الإنشاء والتجهيز فحسب، بل إن إدارة تلك المرافق وتشغيلها تعتمد على توافر موارد مالية مستقرة تكفل لها البقاء والاستمرار في أداء رسالتها. لذا أضحى الأسلوب التقليدي لتقديم الصدقات بدفع مبلغ هنا أو هناك للأفراد أو الجمعيات عاجزا عن مواكبة تمويل الأنماط الجديدة من الأعمال الخيرية التي يحتاج إليها المجتمع. أضف إلى ذلك أن ضعف كل من الرقابة والشفافية في مثل تلك التعاملات أدى إلى إحجام الكثير من القادرين عن العطاء تحت تلك الذريعة. وربما من المبكر القول ما إذا كانت الضوابط التي اعتمدتها أخيرا الجهات الرسمية لجمع التبرعات وإدارة أموال الجمعيات الخيرية ستدفع بتلك الشريحة من الموسرين إلى بسط أيديهم وفك أغلالها من أعناقهم.
ولعل من تيسير الله تعالى لفعل الخيرات أمام عباده أن هيأ لهم آليات جديدة يمكن الإفادة منها في تحقيق مقاصد الصدقة الجارية وبعض مصارف الزكاة دون المخاطرة بالأموال أو تبديدها. وتأتي السوق المالية في مقدمة تلك الآليات بما تحويه من عشرات الشركات المساهمة، وهي كيانات اقتصادية لم تكن مألوفة في مجتمعنا من قبل. إذ يمكن لمن يشاء أن يمتلك أسهما فيها ووقف ريعها لصالح المؤسسات والجمعيات الخيرية أو حتى الأفراد كصدقة جارية دون أي إرهاق لمستحقيها بدنيا أو نفسيا.
غير أن تعظيم منافع تلك الآلية يتطلب عملا مؤسسيا منظما تشارك فيه كل من هيئة السوق المالية، مؤسسة النقد العربي السعودي، ووزارة الشؤون الاجتماعية بدفع البنوك والمؤسسات المالية الأخرى إلى تأسيس صناديق "استثمار" تتولى استقبال صدقات المحسنين لشراء أسهم شركات معينة ووقف ريعها لصالح مستفيدين بعينهم، سواء كان ذلك المستفيد مجالا عاما من مجالات الخدمة الاجتماعية كالرعاية الصحية، التعليم، أو رعاية المعوقين، أو كان المستفيد مسجدا، جامعة، أو مدرسة باسمها. كما أن قائمة المستفيدين يمكن أن تمتد لتشمل أسماء أفراد معرفين مسبقا من قبل الواقف. الشاهد هنا المرونة العريضة التي يمكن أن تقدمها تلك الصناديق في إدارة أوقاف المحسنين في إطار خدمة متكاملة تبدأ باستقبال صدقاتهم، مساعدتهم في اختيار الأسهم التي تلائم مقاصدهم من الوقف، تسجيله شرعا، ثم متابعة صرف ريعه في الوجه الذي صرّح به الواقف.
بالطبع هناك حزمة واسعة من الخيارات لما يمكن أن تكون عليه تلك الصناديق، إذ بجانب الصناديق التي تتناول أوجها متعددة من العمل الخيري ستكون هناك صناديق متخصصة في مجال الرعاية الصحية، وأخرى في التعليم على إطلاقه، وهكذا, بحيث تباع وحدات مشاعة في تلك الصناديق للمحسنين الراغبين في وقف مبلغ من المال ينفق ريعه لصالح النشاط الذي يختص برعايته ذلك الصندوق. ولا شك أن إنفاق تلك المبالغ في مصارفها ينطوي على مسؤولية كبيرة ذات جوانب مهنية، قانونية، وأخلاقية ما يدعو إلى وجود مجلس إدارة مستقل لكل صندوق يشرف على إدارة أمواله ويخضع لمعايير صارمة من الإفصاح والشفافية تحددها لائحة تلك الصناديق، بما في ذلك أتعاب الإدارة المستقطعة لصالح الصندوق من الأصول المتاحة.
إن إنشاء صناديق استثمارية لإدارة ما يوقفه المحسنون من أسهم في الشركات المدرجة في السوق المالية كصدقة جارية سيجذب شرائح كبيرة من المجتمع للإنفاق في الأعمال الخيرية، ويفتح أبوابا واسعة لتمويل الأنماط الجديدة من احتياجات المجتمع. إذ تتميز هذه الآلية بأن ريع الوقف يصل المستفيد وافيا كاملا دون عناء وهي أمنية لكل من أوقف مالا لعمل الخير. ليس هذا فحسب، بل إن إجراءات متابعة وتدقيق الصدقات ومصارفها أكثر انضباطا وشفافية إذا أسندت إدارتها إلى صناديق متخصصة ذات أصول مالية متينة، إذ ستعمل تلك الصناديق تحت سمع جهات رقابة متعددة وبصرها ما يدرأ الكثير من الشبهات التي طالت الأعمال الخيرية في السنوات الأخيرة. والجميل في هذه الآلية للعطاء والإنفاق لمساعدة الآخرين أنها ميسرة للجميع كل على مقدرته وسعته.
وكل عام وأنتم بخير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي