رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


إخراج الزكاة توقيتاً وأسلوبا .. هل نحن في الطريق الصحيح؟ (1 من 2)

فرض الله سبحانه وتعالى الزكاة، وجعلها الركن الثالث من أركان الإسلام تعظيما لقدرها وسمو هدفها، ذلك أنها حق المحتاجين المعلوم في أموال القادرين، أي أنها بمثابة دين للفقراء في رقاب الأغنياء لا تبرأ ذممهم إلا بأدائه وإيصاله لمستحقيه دون أن يصاحب ذلك منة أو إذلال أو تأخير، كما أنها ليست أمراً اختياريا مرتبطا بوجود السائل، بل هي أمر إجباري أوكل الله لولي أمر المسلمين مهمة جبايتها ومن ثم إخراجها لمستحقيها بقوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها .. الآية" وغني عن الإيضاح أيضا أنه لا يصح إسلام امرئ تجب في أمواله الزكاة إلا بدفعها. وينفرد الدين الإسلامي بوجود هذه الخصوصية التي يتميز بها عن سائر الأديان، لترسيخها مبادئ التكافل الاجتماعي في أدق صوره.
والأصل أن تُدفع الزكاة للجهة التي يعينها ولي الأمر لجباية الزكاة ثم إخراجها للمستحقين، وبما أن الدولة قد عيّنت جهة لجبايتها هي مصلحة الزكاة، وجهة أخرى لتوزيعها على المستحقين هي مصلحة الضمان الاجتماعي فإنه ينبغي على المكلفين كافة الامتثال لتوجيه ولي الأمر، ودفع زكاة أموالهم للجهة التي عينها.
غير أن الملاحظ هو أن أسلوب دفع الزكاة وإخراجها لمستحقيها يعتريه بعض الارتباك وسوء التنظيم والاجتهاد، فمن حيث الجباية يقتصر ما يدفع للدولة منها على ما يستحق على الشركات والمؤسسات التي لها تعاملات تجارية، أو تعاقدات مع أجهزة الدولة، أو التي لها سجلات تجارية، ومع ذلك فإن الزكاة لا تدفع على حقيقتها من قبل هذه الفئات، بل إن منها من يحتال ويتلاعب في حساباته لكي تظهر الزكاة بأقل مما هي، ناهيك عمن لا يفكر في إخراجها إطلاقا، إلا إذا اضطرته الظروف إلى ذلك، كوجود تعاقدات حكومية أو استيراد، أو حاجته إلى تجديد السجل التجاري! ولا تبلغ حصيلة الزكاة من هذا المصدر إلا جزءاً مما تخصصه الدولة لمساعدات الضمان الاجتماعي، حيث تقوم الدولة بتغطية الجزء الأكبر منها.
أما الفئة الغالبة من المجتمع وهم الأغنياء من الأفراد فلا يقومون بدفعها للجهة التي عينتها الدولة، إما لاعتقادهم بأنها ستختلط بالمال العام، أو ظناً منهم بأنهم سيكونون أقدر على معرفة المستحقين لها! وقد اعتاد الغالبية منهم إخراجها خلال شهر رمضان بالذات.
في هذا المقال والذي يليه سأحاول مناقشة السلبيات المرتبطة بإخراج الزكاة، وتوقيت إخراجها، والتنظيمات التي وضعتها الدولة، مع محاولة تسليط الضوء على تلك التنظيمات بهدف الوصول إلى الوضع الأمثل.
لم أجد من الأسباب القوية ما يحملني على الاقتناع بسلامة الأسلوب المتبع في إخراج الزكاة خلال شهر رمضان دون غيره، عدا ما قد ينشده المكلف من تحري الأجر والمثوبة ومضاعفة الحسنات، وإذا كان حلول وقت الزكاة غير مرتبط بهذا الشهر في معظم الحالات أكثر مما هو مرتبط بحلول وقت الإخراج وهو مرور الحول على المال المُزكى، فإنه بالتالي لا يجوز تأخير إخراج الزكاة عن وقتها، لأن في التأخير مجلبة لإثم قد يذهب بما يُرتجى من أجر جراء توقيت إخراجها في رمضان.
إلى جانب ذلك كله فإن الملاحظ أن توقيت الإخراج في رمضان قد جلب معه الكثير من المساوئ والسلبيات نستعرض أهمها فيما يلي:
1 ـ أن دفع الزكاة ليس مرتبطا بشهر رمضان، كما ذكرنا، إنما هو مرتبط بحلول وقت استحقاقها، ومن ثم فإن توقيت إخراجها في هذا الشهر فيه تأخير لها عن وقتها، قد يأثم فاعله.
2 ـ إن حاجة مستحقي الزكاة قائمة في رمضان وفي غيره، وقصر إخراجها على الشهر يعني معاناتهم في غيره أكثر مما يعانون فيه، ومن هنا فإن الثواب بدفعها يتحقق كلما وافقت حاجة أكثر لدى المستحق، لا أن تأتيه في وقت لا يشعر أنه في حاجة ملحة إليها، أو عندما تتواتر عليه الصدقات في هذا الشهر.
3 ـ إن علم الناس بهذا الأمر، أي أن الزكاة لا تدفع إلا في رمضان، يجعلهم يتدافعون ويتجمعون أمام البوابات ويختلط المستحق بغيره إلى درجة لا يستطيع معها المكلف التأكد من استحقاق مَن دفعت له، في زحمة الإلحاح وكثرة السؤال والسائلين.
4 ـ إن ارتباط دفع الزكاة بشهر رمضان ساعد على نشوء بعض الظواهر السلبية في المجتمع، المتمثلة في تجمع أعداد كبيرة من المحتاجين، ومن يظنون أنفسهم كذلك، أمام مكاتب ومنازل من اعتادوا على الدفع في رمضان وانتظارهم بالليالي والأيام تحت ظروف الطقس القاسية، وفي مظاهر غير لائقة إنسانيا، ولا تنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان.
5 ـ يتوقع أن يكون التدافع والتجمع متزايدا هذا العام، لما يلاحظ من تزايد نسبة السائلين حتى في غير رمضان، ربما مع زيادة نسبة الفقراء، وتضاؤل الطبقة الوسطى في المجتمع، أو بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة الملحوظة أخيرا، ومثل هذه المظاهر سيلقي عبئا ومشقة على من يريد الدفع إذا أراد التأكد من المستحقين، وأنّى له ذلك أمام التدفقات البشرية من السائلين التي ستزداد هذه السنة أكثر من غيرها.
6 ـ إن ما ينال طالب الصدقة من عناء ومشقة وانتقال وسؤال وانتظار، وما يصاحب ذلك من مظاهر المنة والإذلال، يتنافى كله مع الهدف الإسلامي الإنساني من فرض الزكاة، وهي أنها حق ينبغي إيصاله لمستحقه دون إكراهه على الاستجداء، أو إذلاله عند الدفع، كما هو الحاصل في الأعم الأغلب من الحالات.
7 ـ إن كثيرا من المحتاجين لا يسأل ولا يصل إلى بوابات القصور، إما لعجزهم، أو لأنهم من الذين يحسبهم الجاهل بأحوالهم أغنياء من التعفف، وفي المقابل فإن كثيرا ممن يصلون ويسألون ليسوا بالضرورة مستحقين، ولذلك فإن تحري المستحق والوصول إليه، والتأكد من ذلك، يعد من أصعب الأمور التي تحتاج إلى أجهزة ووسائل للبحث والاستقصاء الميداني لا يستطيع توفيرها الأفراد حتى وإن حاول بعضهم، بوسائله الخاصة، نظرا لأن الحالة المادية للناس تتغير من وقت إلى آخر، ناهيك عن صعوبة الوصول إلى بعض الفئات، كما ذكرنا.
إنني في هذا الطرح لا أقلل من أهمية ما يقدمه بعض الموسرين، وما يقومون به من محاولات، ولكنني أرى أنه لا بد من وجود أسلوب أفضل مما يجري عليه العمل حاليا، وفي سبيل الوصول إلى هذا الأسلوب أتمنى على كل مكلف الاختلاء بنفسه، ومحاولة الإجابة بينه وبينها بتجرد عن الأسئلة التالية:
1 ـ هل مقدار الزكاة الذي أنفقه هو المقدار الصحيح دون نقص؟
2 ـ هل إخراجها يتم لمستحقيها دون غيرهم؟
3 ـ هل إخراجها يتم لمستحقيها دون تحميلهم مشقة الانتقال ومذلة السؤال؟
4 ـ هل إخراجها يتم في وقت حلولها؟
والله من وراء القصد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي