اليوم الوطني تجسيد للهوية وتذكير بالإنجاز
لم يكن "اليوم الوطني" فيما مضى يلقى الاهتمام على الصعيد الرسمي والشعبي في السعودية. وعلى أن هناك الكثير من الأسباب والمبررات التي يمكن استحضارها لتفسير ذلك بعضها معقول ومقبول وأخرى غير منطقية أو واقعية، إلا إنه يمكن اختزالها في الخصوصية السعودية من حيث إن المواطنة في السعودية تأتي عفوية طبيعية يتداخل فيها الحاكم مع المحكوم في نسيج من مبادئ الدين الحنيف والقيم والأعراف الاجتماعية التي هي نبت الأرض وحصادها الطبيعي غير مهجنة أو مستوردة. هذا هو المصدر الأساسي لإحساس الفرد السعودي بالانتماء والشعور الدفين في جنبات نفسه الذي ينبض بحب الوطن ويتجذر في وجدانه ويخالط منظومة القيم في ذاته لينصهرا فيغدو الوطن هو المواطن والمواطن هو الوطن وهذه أعلى مراتب المواطنة والانتماء. الوطن بالنسبة إلى السعوديين أكثر من تراب أو ثروات أو دساتير شكلية وقوانين صورية وشعارات للاستهلاك السياسي، إنه الإيمان الساطع الراسخ الذي لا تغيره الأحداث ولا تبدله الأحوال، الإيمان الذي التف حوله أبناء المملكة حكاما ومحكومين. إنه شعار الحرية والكرامة شعار "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، إنه حبل الله المتين الذي ألف بين القلوب ووحد الصفوف وجلب الأمن والأمان. إنه التميز في نظام الحكم والسياسة الذي مصدره كتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
ولئن كان مشروع الدولة المسلمة التي تقيم شرع الله منهجا للحكم على هذه الأرض الطيبة الطاهرة قد بدأ منذ ما يقارب الثلاثة قرون في انطلاقته الأولى بين الإمام محمد بن سعود والشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب, إلا أن الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، يعتبر مؤسس الدولة السعودية الحديثة التي ننعم بأمنها وأمانها ونتفيأ ظلالها. والسعوديون عندما يتحدثون عن الملك عبد العزيز على إنه والدهم ليس كونه فقط الزعيم والقائد الملهم الذي صنع هذه الدولة ووحدها بعد أن كانت شتاتا لا يحسب لها حساب يسود التناحر والاقتتال بين أهلها وتغوص في بحر من الجهالة والفقر والمرض، ولكن لأن الملك عبد العزيز يمثل المبادئ الإسلامية ويجسد القيم العربية الأصيلة ويرون أنفسهم فيه في أجمل صورها وأعلى مراتبها. الملك عبد العزيز كان ومازال لكل الوطن بحكمته وحنكته وعدله وإيمانه وشجاعته وطيب سيرته. السعوديون وأنت تسمعهم يتحدثون عن مناقب الملك عبد العزيز، يرحمه الله، وقصصه البطولية في مجالسهم الخاصة والعامة لا يسعك إلا أن تلحظ العاطفة الجياشة والرابط القوي والفخر والاعتزاز بشخصه وكأنما هو جزء من ذواتهم وهويتهم. قد يكون السر في إنه لم يكن متكلفا متكبرا متغطرسا بل كان طالب علم محققا لذاته فيعرف مواطن قوتها ومواطن ضعفها ينزل الناس في منازلهم ويتعامل مع ما يدور حوله من أحداث بواقعية ولكن في إطار المصلحة الوطنية. حين تقرأ بعض خطابته وبرقياته التي كان يبعث بها إلى ممثلية وموظفي الدولة لا تملك إلا أن تعترف بحسه السياسي المرهف وأسلوبه القيادي الذي يجمع بين الحزم والحب والاحترام وإنجاز المهام. من بين ما يتصدر اهتماماته هو إحقاق الحق وعدم التعدي على حقوق الآخرين فالعدل بالنسبة له هو أساس الحكم. من هنا كان الحب الجارف للملك عبد العزيز كزعيم وبطل قومي رسم ملامح الدولة وأسس لكيانها على نهج سياسي يحافظ على القيم والأصالة وفي الوقت ذاته ينشد التطور وإحداث التغيير الاقتصادي والاجتماعي كمتطلب للدولة الحديثة.
ولأن كان الوطن يعيش في وجداننا نحن السعوديين طوال العام ولا نحتاج إلى تحديد يوم لتذكره، إلا إنه أصبح من الضروري الاهتمام باليوم الوطني لإظهار مشاعرنا الوطنية بوضوح في ظل التحديات والتغيرات والمستجدات على الساحة الداخلية والخارجية. لم يعد من السهل الحفاظ على الهوية الثقافية في وسط بحر لجي من ثقافات متعددة تحاصرنا في كل اتجاه وتهددننا حتى في عقر دارنا. فهذه تقنيات الاتصال تحول العالم إلى قرية صغيرة يغمرها طوفان العولمة أو ثقافة الأمم الأقوى التي تقول وبصوت مرتفع متعال لا يقبل النقاش إن لم تكن معنا فأنت ضدنا، بل إن لم تكن مثلنا فأنت عدونا!
الإشكالية التي نواجهها نحن السعوديين في هذا السياق دون غيرنا من شعوب الأرض قاطبة إن ثقافتنا ونظامنا الاجتماعي والسياسي مميز لا يتكيف بل لا يلتقي مع كثير من طروح العولمة. من أجل ذلك تجد السعودية أمام تحديات وضغوط كبيرة تكال إليها الاتهامات جزافا فتارة يوصف أبناؤها بالتطرف وتارة أخرى بعدم احترام حقوق الإنسان على الرغم مما تبذله في الحفاظ على السلم العالمي والاستقرار الاقتصادي واحترامها للمواثيق الدولية. وما يعجب له أن تلك الدول التي تتشدق بالحرية وحقوق الإنسان والقيم الحضارية الأخرى لا تقيم وزنا لها وتقول ما لا تفعل فها نحن نرى وعلى مشهد من العالمين كيف تقوم باعتقال أناس يبعدون عنها آلاف الأميال دون محاكمات وتغزو وتحتل وتدمر المساكن على رؤوس أصحابها دونما تمييز ووجه حق وتسلب المضطهدين حقوقهم وتتعاون مع المعتدي الأثيم.
هذه الإشكالية حتمت علينا في السعودية رفع مستوى الوعي لدى المواطن في جعل القيم والمشاعر الوطنية أكثر وضوحا، وأسلوب الحكم بما فيه من حميمية بين الحاكم والمحكوم أكثر تقنينا، وأن توجّه مناهج التعليم لتؤصل فكرة الانتماء وحب الوطن بواقعية وفاعلية لتنعكس في سلوكيات شبابنا وفتياتنا اليومية. لم يعد في إمكاننا الاعتماد على المشاعر الدفينة والنوايا الطيبة بل يلزم أن تتحول هذه المشاعر إلى طاقه تسير حركة الحياة وتدفع لمزيد من القوة في جميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لم يعد بمقدورنا أن نقف كثيرا عند إنجازات الماضي دون محاولة السير إلى الأمام برؤى جديدة وإيجاد صيغ تبرز طموحاتنا وأهم من ذلك تجعلنا أمة أكثر قوة في التأثير على مجريات الأمور لا تقف مكتوفة الأيدي حيال القضايا التي تهمنا.
قد يكون اليوم الوطني والتأكيد عليه رسميا وإعلاميا بداية الانطلاق نحو رؤية جديدة لمفهوم الوطن والمواطنة ووسيلة للتعبير عن القيم وإظهار للمرتكزات الأساسية التي بني عليها. يجب أن يعي أبناؤنا أن ما نحن فيه من أمن وأمان واستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي هو بفضل الله أولا ثم بفضل تمسكنا بالشريعة الإسلامية وجهاد الأجداد في توحيد البلاد. يجب أن يدرك الشباب أن الوطن الذي يتفيأون ظلاله ويعيشون في كنفه لم يكن لولا معاني الحب والوفاء وقيم النبل والشجاعة التي جمعت الرعيل الأول.
لذا يتيح اليوم الوطني الفرصة لتذكُّر جهاد الأجداد في توحيد هذه البلاد العظيمة تحت راية التوحيد، فيكون ذلك نبراسا ونموذجا حيا في عقولهم وقلوبهم يجدد عهدهم في التمسك بالمبادئ الإسلامية والالتزام بالقيم العربية الأصيلة.
لا شك أن إظهار هذه المناقب والمعاني والقيم التي أسست عليها هذه البلاد أمر في غاية الأهمية. إن توظيف الإعلام وتنظيم الأنشطة المسرحية وإقامة الندوات وفعاليات أخرى من شأنها الإسهام في تثقيف الناشئة والشباب بقيم الوطن. وحتى يتحول اليوم الوطني إلى آلية لتطبيق هذه القيم وصياغة حلول لمواجهة التحديات، اقترح أن يتبنى شعار في كل عام يركز على بعض القيم التي نحتاج إليها مثل: الإنتاجية، أهمية الوقت، احترام القانون، حب الخير للآخرين. ودمت يا وطن دار عز للإسلام والمسلمين.
أستاذ الإدارة العامة المشارك
جامعة الملك فيصل
<p><a href="mailto:[email protected]">aashiha@yahoo.com</a></p>