اختلال موازين السوق المالية إلى أين؟
<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>
الاقتصاد عبارة عن آلة ضخمة تتشابك فيها العديد من العجلات المسننة التي تستند فيها الواحدة على الأخرى, فإذا تحركت هذه, انساقت تلك, وإذا تعطلت إحداها تأثرت آلة الاقتصاد في شكلها الكلي. إنني أوجه نصيحة بل صرخة من خلال هذا المقال إلى أولئك الذين يتلاعبون بالسوق المالية لا ولم يتعظوا من الأحداث التي مرت على السوق أو على الأمم من قلبنا ولسنا بدعا من البشر وسنن الله لا تحابي أحدا. إن قدرة هذه الآلة على العقاب ـ بإذن الله - أكبر بكثير من قدرة البشر مهما بلغوا على تحمل عقابها. وتأمل قوله تعالى "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس" وقوله "وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان". إن التناغم في حركة عجلات هذه الآلة مطلب ملح لكل الأمم, بل إن وزن وحجم كل عجلة إلى وزن الاقتصاد ككل تعد قضية لها أولوية في الدراسات والخطط الاقتصادية. ولذلك تهتم اقتصاديات العالم بهذا الشأن أيما اهتمام, فترى العديد من الدراسات تتبع أثر ارتفاع معدل الفائدة بنقطة واحدة على رقم الناتج الوطني ومعدلات البطالة على الرغم من أن الاستخدام المباشر لمعدل الفائدة ربما لا يكون له صلة مباشرة بذلك. كما أن حركة السوق المالية تتأثر بالتغير في معدل الضريبة وانظر إلى سلسلة التخفيضات التي شهدتها الولايات المتحدة وقدرتها على امتصاص آثار فقاعة ما سميت بشركات الدوت كوم. تدرس العديد من الجامعات والمنظمات العلاقات الاقتصادية بعناية كما لو أنها عملية زراعة قلب.
إن اختلال قيم الشركات في السوق السعودية له آثاره المدمرة على الاقتصاد وإذا استمرت الحال على ما هي عليه دون حدوث تصحيحات - هي بحد ذاتها مؤلمة - فإن اختلالا في معايير التقييم سيكون حتميا ما قد يقود إلى مشكلة اقتصادية لم نحسب لها حسابا. إني أدعو المجلس الاقتصادي الأعلى إلى النظر بعين متأملة لما قد يحدث في المستقبل فيما لو استمرت الحال على ما هي عليه الآن.
ولكي أوضح وجهة نظري بهذا الخصوص أدعوك عزيزي القارئ إلى تأمل قضية سعر النفط وعلاقته بسعر صرف الدولار. فنظرا لانخفاض قيمة الدولار في السنوات القليلة الماضية مع نمو متوازن لعملة الاتحاد الأوروبي (اليورو) اهتزت ثقة المستثمرين والمنتجين بقدرة الدولار على عكس السعر الحقيقي للنفط وبالتالي قدرته على القيام بوظيفة التقييم. في هذا الجو نمت مطالبات بإعادة التفكير بشكل جدي في ربط المنتجات النفطية بسعر الدولار وهو نفس الأمر الذي شجع إيران على التفكير بفتح سوق للنفط تعتمد على اليورو كأساس للتقييم. وهذه الخطوة لها ما بعدها من آثار كبيرة وقد تصاحبها موجات تصحيحية لأسعار النفط بشكل عام. عندما تفقد أي عملة دورها كمقيم ووسيط محايد في التبادل فإن الاقتصاد لا يرحمها وسيبحث عن غيرها.
في السوق السعودية للأسهم اختلت موازين التسعير بشكل فاق التصور، فالعديد من أسهم الشركات ذات الأصول المادية والمعنوية الكبيرة وذات العوائد الجيدة تعاني هبوطا وتقييما سيئا من السوق. كما أن ما قدمته هذه الشركات من أخبار جيدة لم تجد صداها في الأسعار بشكل مقبول ومنطقي. وفي المقابل تجد أن الشركات ذات الأصول المتدنية القيمة دفتريا أو المستهلكة فعلا، و تواجه صعوبات تمويل حقيقية وسمعة اقتصادية رديئة, بل إن بعضها يعلن عن تخفيض رأس المال لإطفاء الخسائر أو وجود تلاعب مالي أو اقتراب الخسائر إلى 75 في المائة ما يهدد بإعلان إفلاس الشركة، تجدها على الرغم من كل هذا تحقق عوائد رأسمالية مذهلة ونموا متسارعا في قيمة السهم. وهكذا، وكما أشرت في مقال سابق، ستقوم السوق بإخراج الشركات الجيدة من التداول وهو ما يحصل الآن فعلا.
كل هذا مرجعه إلى تلاعب واضح في السوق من قبل مضاربين ومجموعات أهدافهم غير شرعية إن لم نقل غير وطنية البتة. والآن وبسبب ما يقوم به هؤلاء من تصرفات غير واعية وغير مسؤولة وتنم عن جهل عميق بالحركة والعلاقات الاقتصادية أصبحت السوق المالية على مفترق طرق. إما أن تستطيع الأسهم الجيدة العودة إلى السوق وبذلك ستتجاوز أسعارها أسعار الأسهم الرديئة وهو أمر سيعيدنا إلى الأسئلة القديمة ومتى هو التصحيح الكبير أو أن تصحح الشركات الرديئة وتعود إلى مستوياتها الطبيعية مقارنة بالشركات الجيدة. وهذا يعني أن تواجه الشركات الرديئة تصحيحات عنيفة جدا ومتتابعة, وفي ذلك خسائر فادحة للعديد من الناس والمستثمرين أشد مما حصل في شباط (فبراير) الماضي وقد يدخل الاقتصاد في حالة كساد نتيجة لذلك.
أما إذا لم يحصل هذا ولا ذاك فإن الاقتصاد ككل سيدفع ثمن فرق الأسعار نظرا لاختلال عملية تقييم الأصول بين الشركات بناء على أسعار الأسهم في السوق. ستستمر الشركات الجيدة والتي تمتلك أصولا ذات قيمة دفترية عالية في مواجهة تقييم سيئ جدا لهذه الأصول مقارنة بتلك الشركات التي تمتلك أصولا رديئة بل قد تكون غير منتجة اقتصاديا. وعلينا هنا أن نواجه أسئلة عنيفة حول قدرة الريال على القيام بدوره كوسيط محايد ومقيم فاعل للأصول في السوق المالية السعودية, بل قد يمتد هذا السؤال إلى تقييم الأصول المختلفة خارج السوق. هنا قد يكون من الصعب التنبؤ باتجاه الاقتصاد وقرارات المستثمرين المختلفة. أتوقع أن الكثير من رجال الأعمال الحقيقيين سيعيدون التفكير في تحويل شركاتهم إلى شركات مساهمة أو قد يتم ذلك بتعظيم قيمة علاوة الإصدار مما يفاقم المشكلة أكثر. أو قد نجد وضعا أكثر سوءا مع توجه الشركات السيئة للدخول واحتفاظ رجال الأعمال بالشركات الجيدة خوفا من سوء التقييم. كما أن مشروع جذب الاستثمار الأجنبي سيواجه صعوبات حقيقية إلا إذا تم التقييم بعملة مختلفة. وهكذا سيواجه الريال ضغوطا داخلية كبيرة ربما لا يمكن التنبؤ باتجاهاتها أو آثارها. من هنا أعود وأوجه صرخة إلى كل المتلاعبين في السوق أن الآثار السيئة ستصيبهم قبل غيرهم, لذا يجب عدم الانسياق وراء مباهج قصيرة الأجل طويلة الألم كالمخدر.
كما أدعو إلى تدخل من الدولة حتى وإن خالف ذلك التوجه الاقتصادي العام أو أعادنا إلى مرحلة الاقتصاد الموجه. لا بد من أن تأخذ صناديق الدولة المبادرة وتصنع السوق من خلال السيطرة على أسعار الشركات الرديئة في المرحلة الحالية. كما أرى أن على هيئة السوق المالية أن تجمع مديري الصناديق الاستثمارية تحت مظلتها وتعالج مشكلة عدم الثقة بينها وتوجه الأهداف بما يخدم الاقتصاد الوطني. لا بد أن تقدم هذه الصناديق عوائد شهرية مجزية ولو لفترة محدودة حتى يتم السيطرة على اتجاهات السيولة وتكّون المجموعات الرديئة. اقترح أيضا أن تقوم الهيئة بدعوة كبار المضاربين لتوضح لهم من خلال محاضرة أو محاضرات الآثار السيئة لما يقومون به من تلاعب أو انجراف وراء الأرباح قصيرة الأجل من خلال المضاربة في الشركات الرديئة بعيدا عن التخطيط المتوازن الذي يأخذ في اعتباره المخاطر الاقتصادية الكلية بعيدة الأثر. أقول هذا بدافع من غيرة وطنية مع إطلالة اليوم الوطني لهذه البلاد المباركة ولا أبتغي من ورائه إلا الخير مع إطلالة شهر الخير والتقوى والتوازن المحمود وكل عام وأنتم بخير.