العرب وعقدة النصر
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
ذكر أحد المؤرخين أن الشرق العربي الإسلامي لم يفق منذ تدمير بغداد على يد المغول، ومنذ ذلك الزمان تحضر الغرب وسيطر ومنذ عقود ونحن نشاغب مرات ونحاول مرات ونمزح مرات ولكننا لم نتمكن من إيجاد رؤية واضحة ولا برامج عملية مؤثرة في أرض الواقع للنهوض بأمتنا ودولنا. لو سألت جمال عبد الناصر في قبره وصدام حسين في زنزانته وبن لادن في غاره وحسن نصر الله في مخبئه لوجدتهم يتفقون على شيء واحد – الادعاء بالنصر وهزيمة العدو والتبشير بالحضارة. هذا الصوت العالي للتعبير عن النصر الموعود يقابله استعداد جماهيري مشحون بالعاطفة دائما يجد مجاله مرة في القومية ومرة في الآيديولوجيا ولكنه يفقد الواقعية والرغبة الجادة في العمل والتحضر. تجد الصراخ والعويل والمناجاة بين هذه القيادات المغررة والمغرورة وبين الجماهير المهمشة ومن الرغبة الذاتية في التمسك بتلابيب السلطة. يقصد وبغير قصد لقد دخلنا دوامة الفشل، فهذه البيئة السياسية الاقتصادية تصبح لا تقبل التدرج في الفكر والبناء ولا ترى اللون الرمادي، بل هناك أسود وأبيض فقط، هناك نصر أو هزيمة فقط، هناك فقر أو غنى، هناك حقيقة مرة أو رياء. تتبدد الطاقات، فالكل صح والكل خطأ. فتجد دولا ترغب في الاتحاد ثم تصر على الاختلاف على الحدود، وتجد إعلاما يرغب في الانفتاح ثم يبالغ في الحقد والضغينة، وما هذه إلا أمثلة بسيطة على بيئة أقل ما يُقال عنها إنها غير صحية ويصعب على الغرب والدول المتقدمة في العالم فهمها أو احترامها.
أهم ما في هذه البيئة هو قدرتها على فقدان التركيز لدى الأمة فبدلا من أن تصبح التنمية والإصلاح والبناء هي التحدي تصبح مجاراة الدول الغربية وإسرائيل عسكريا هي التحدي (تتفق عليه عاطفة الأمة والنزعة الحالية لدى القيادات آنفة الذكر)، وهذا ضرب من الجنون وخلط بين الحلم والواقعية. تحدي التنمية يحتاج قيادة صادقة وطموحة وأمة واثقة من قيادتها من خلال تحقيق آمال ممكنة وواضحة. تجد القيادة العربية الأكثر وعياً ليست بالضعيفة إلى حد فقدان الهيمنة والسيطرة على شعوبها وليست بالقوية (مستمدة شرعية بالإنجاز والعمل) إلى حد قدرتها في تحقيق برامج عملية تنموية مستدامة ترتقي إلى التحدي العالمي. فتجدها تجامل وتحابي وتفسد وتفسد وتعمل وتنجز مما يعمق الفجوة بين الإنجاز والتوقعات وتبقي الأمة في وحل الفكر والتقصير العملي. يا ترى ما الحل؟
ذكر أحد المنظرين في تعريف القيادة بأنها القدرة على أخذ الناس إلى حيز ومكان لم يسبق لهم أن جربوه، وهذا ضمنيا يتطلب قدرة الإقناع والتفكير الاستباقي وحسبان المخاطر، هذا من الناحية النظرية ولكن من الناحية العملية هناك آلاف الحلول، أهم هذه الحلول تدور حول قدرتنا في إيجاد القدوة الصالحة وإرسال الرسائل الجدية فلا يمكن أن نسن قانونا أو نظاما ونحن نعرف أنه لن ينفذ أو نتحمل إنسانا مسؤولا لم يقم بواجبه، فهدر الطاقات وفقدان المصداقية أهم خطوات الهدم من الداخل. لدى الجميع طاقات فهي إما تستخدم إيجابيا أو سلبيا، لعل أحد الأمثلة على استخدام الطاقات سلبيا هو الانتخابات في بعض دول الشرق الأوسط، فدول شرق آسيا تقدمت واستطاعت أن تدير عجلة التنمية دون انتخابات صورية ولكنها عوضت عنها بإرسال رسالة واضحة لشعوبها بمدى جديتها في النهج التنموي والعلمي. فأصبح لدى الأمة إجماع بأن القيادة صادقة وعازمة، وهذا هو الحكم الرشيد، لعل أخطر ما يدور على الساحة الثقافية الشعبية العربية اليوم هو الخلط بين الفكر والموقف والخلط بين الانتماء الفئوي أيا كان وبين العمل الجماعي. في ظل هذا التشرذم يجب على القيادات أن تصارح أنفسها أولا ثم تصارح مواطنيها بما هو المطلوب من عمل وتضحيات وبين ما هو ممكن وغير ممكن والكف عن المزايدات. التنمية برنامج شاق وطويل يتطلب العمل الصغير (لا يمكن أن تسن قانونا يمنع التدخين في الأماكن العامة ثم تسمح للبعض بالتدخين دون عقاب)، والعمل الكبير، فلا يمكن أن تتسامح مع القيادات في فقدان توضيح الهدف المنشود من تحقيق التنمية – فلماذا لا يكون عام 2020 أو 2030 عام المساءلة بين القيادة والأمة، فعلى قدر العزم تأتي العزائم.
يجب علينا الابتعاد عن الشكوك والتخوين فهما يزرعان الفرقة ويهدران الطاقة، ويجب أن يكون المقياس علميا لكي نفوت الفرصة على من يريد الصيد في الماء العكر. في ظل ارتفاع الأصوات وحدة العواطف كل ما تحتاج إليه القيادات والشعوب هو النزول إلى أرض الواقع وقبول أن كفاءة المدارس وتوافر أنظمة الصرف الصحي في كل المدن والقرى هما نقطة البداية لمواجهة التحديات الدولية. تحدث سمو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، بأن عوائد النفط للتنمية، وأن المخاطر غير المحسوبة لها سعر عال تنظيميا وسياسيا واقتصاديا. ولعل هذا التفكير العقلاني لنذير لبصيص من الأمل لبعض البلاد العربية على الأقل.