صحافتنا الورقية .. بين الاستمرار والاضمحلال
<a href="mailto:[email protected]">Dr_saaty@Yahoo.com</a>
من أهم التقارير التي صدرت عام 2006 عن مستقبل الصحافة الورقية هو التقرير الذي أصدره معهد مشروع الامتياز في الصحافة في الولايات المتحدة, وأشار فيه إلى أن الصحافة الورقية تعاني سكرات الموت وتتجه إلى الزوال بسبب منافسة ومزاحمة الصحافة الإلكترونية التي حققت في الآونة الأخيرة ضربات موجعة للصحافة الورقية.
قبل أن نبدي رأينا في التقرير نشير إلى مسلمة من مسلمات إعلام الدول النامية، الذي درج على أن يأخذ كل ما يأتيه من الغرب مأخذ التسليم، بينما يأخذ كل ما يأتيه من الدول النامية مأخذ الشك والريبة والرفض، بل أحياناً من فرط شعور إعلام الدول النامية بالدونية ومركب النقص يتبنى مهمة الترويج للقضايا الملفقة التي يصدرها الغرب إلينا.
نحن هنا لا نأخذ التقرير الذي يصدر من معهد مشروع الامتياز الأمريكي مأخذ التسليم ولا نواجهه بالرفض، وإنما نحلل التقرير ثم نبدي وجهة نظرنا فيه بموضوعية ترضي وعي القارئ.
أولا إن قضية اضمحلال الصحافة الورقية بسبب التقدم الخارق الذي أحدثته ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات ليست جديدة، بل أصبحت – لأهميتها – قضية تتناولها الدوريات والصحف في كل أنحاء العالم.
وإذا رجعنا إلى تاريخ الإذاعة نجد أنها في بداياتها سجلت منافسة ومزاحمة للصحافة، وقال الكثيرون يومذاك إن الصحافة معرضة للأفول بسبب الإذاع، ولكن في مقابل ذلك قامت الصحافة باكتشاف نفسها وتجديد أدائها واستطاعت أن تسجل نقاطاً إيجابية لصالحها جعلتها تمضي في منافستها للإذاعة دون أي خطر على وجودها، وبعد برهة من الوقت اكتشف العالم التلفزيون، ولم يكن التلفزيون منافساً تقليديا بل كان منافساً جسوراً، ويومها قيل إن التلفزيون سيقضي على الإذاعة. ولا ننكر أن منافسة التلفزيون للإذاعة كانت أكثر شراسة من منافسة الإذاعة للصحافة، ولكن مع ذلك استطاعت الإذاعة والصحافة أن يشقا طريقاً مستقلاً بعيدا عن التلفزيون.
ومع احترامي للتنافس التاريخي بين الصحافة والإذاعة والتلفزيون إلا أننا نستطيع القول إن ما بين وسائل الإعلام والشبكة العنكبوتية العالمية شيء آخر مختلف. إننا ندخل عصرا تكنولوجيا جديدا يختلف تماما عن التنافس الرتيب المتواضع بين وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي. واليوم تشع ثورة التكنولوجيا وتضع الإنترنت العالمية في مجال المنافسة ليس ضد الصحافة فحسب، بل سجل الإنترنت تقدما ملحوظا على جميع وسائل الإعلام وأصبحت له وظائف معلوماتية واتصالية وإخبارية كثيرة ومتعددة، واستطاع بالفعل أن يغير وجه العلاقات بين الأمم والشعوب، وأن يسدد ضربات موجعة للصحافة الورقية، بل والكتابات الورقية عامة.
ونذكر – على سبيل المثال – أن المكتبات الرقمية بدأت تأخذ مكانها جنبا إلى جنب مع المكتبات الورقية التقليدية في كل الجامعات حتى أن بعض الجامعات السعودية اتجهت نحو تأسيس المكتبات الرقمية بل إن كبار المؤلفين والمنظرين باتت اهتماماتهم بنشر كتبهم عبر الأسطوانات لا تقل عن اهتمامهم بنشر مؤلفاتهم عبر الكتب الورقية.
وفي خضم هذا الغليان والهيجان نحو تكثيف استخدام الإلكترونيات الرقمية، وإحلالها محل الاستخدامات الورقية، فإن الدول تتسابق على تطبيق مشاريع الإحلال تحت أسماء الحكومة الإلكترونية، أو الإدارة الإلكترونية، والهدف من هذه المشاريع هو إلغاء الورق واستخدام الكمبيوتر، والعالم يحقق المزيد من النقلات باتجاه الإدارة الإلكترونية وإلغاء الإدارة الورقية.
ولا نذهب بعيدا فإننا إذا طالعنا صحفنا السعودية في مواقعها الإلكترونية، وقارنا عدد قراء عام 2005 بعدد قراء عام 2006، فإننا نجد أن أعداد القراء تتزايد بمعدلات مذهلة، وإذا استمرت هذه المعدلات عبر الأجيال المقبلة، وتحول القراء من قراءة النص الورقي إلى قراءة الصحف في المواقع الإلكترونية، فإن الإنترنت سيسحب بعض الصحف الورقية إلى الصحافة الإلكترونية، وإذا اتسعت جماهيرية الصحف الإلكترونية أكثر وأكثر، فإن هذا أدعى إلى التفكير في إلغاء بعض الصحف الورقية وتحويلها إلى صحف إلكترونية بهدف توفير جزء كبير من الرساميل التي تصرف على مكائن الطباعة والورق والأحبار التي أضحت تلتهم جزءا كبيرا من رأس المال, إضافة إلى رواتب العاملين ومصروفات الصيانة واستهلاك الكهرباء.
إن صحيفة "وول استريت جورنال" أصبحت تعتمد بشكل أساسي على موقعها الإلكتروني، كما أن صحيفة "نيويورك تايمز" أخذت تسجل أرقاما مذهلة لعدد زوارها بشكل فاق الزيادة في عدد قراء صحيفتها الورقية، كما أن مجموعة "نايت ريدر" الصحافية التي تنشر أكثر من 30 صحيفة أمريكية تعاني أزمة مالية تهدد وجودها بسبب انصراف مجموعة من القراء إلى الصحافة الإلكترونية.
وفي عددها الأخير نشرت مجلة "الإيكونمست" تقريرا عن أسباب تراجع توزيع الصحف المطبوعة منذ عام 1990 لم يكن في الولايات المتحدة ووجدت أن الشباب في هذه الأيام لا يفضل قراءة الصحف المطبوعة، وأشارت إحدى شركات الأبحاث الأمريكية إلى أنه جرى الاستغناء عن أكثر من 3500 صحافي محترف منذ عام 2000 بنسبة 7 في المائة من إجمالي الصحافيين, كما تم تخفيض عدد المراسلين في مناطق عديدة مثل فيلادلفيا الذي يغطي أخبارها الآن 220 مراسلا وهو ما يمثل نصف عددهم عام 1980, وأشارت "الإيكونومست" إلى أن الدعاية والإعلان تأثرا سلباً بسبب الاتجاه إلى الترويج بالإنترنت الأقل تكلفة ما أفقد الصحف المطبوعة جانبا كبيرا من الإعلانات التي تعتبر أهم مصادر دخلها.
وإذا كانت الإذاعة والتلفزيون لم ينجحا في القضاء على الصحافة الورقية، فإن الثورة الإلكترونية لم تأت لتنافس بل جاءت للإحلال وتبنت الحكومات إحلال الإلكترونيات محل الورق، وقامت الحكومات في كل أنحاء العالم بإقرار السياسات التعليمية والتدريبية في المدارس والجامعات حتى أصبحت الثورة الإلكترونية خيارا استراتيجيا في كل دول العالم المتقدم وكذلك النامي، ونذكر – على سبيل المثال – أن استخدام الحاسب الآلي للطالب في الجامعات السعودية أصبح خيارا حتميا في الإجراءات الجامعية والمراجعة والمذاكرة وقراءة المراجع وإعداد البحوث.
وفي ضوء ذلك فإن المكتبة الرقمية ستصبح قريبا جدا هي المكان الرئيسي لزيارات طلاب الجامعات السعودية، وسيكون الكتاب الإلكتروني (قريبا جدا) مرجعهم الرئيسي.
بل لا أبالغ إذا قلت إن عددا زاخرا من الطلاب السعوديين بدأوا يقرأون الصحافة الإلكترونية وينصرفون عن قراءة الصحافة الورقية، لأن مساحة الحرية ومساحة التغطية المصورة والفورية للأخبار والأحداث تتوافر في الصحافة الإلكترونية، ولا تتوفر في الصحافة الورقية. وأما ما يقال من أن الإنسان ألف رائحة الحبر وحشرجة الورق ولمعان الحروف، هذا الكلام ربما يكون صحيحا بالنسبة إلى الجيل الماضي الذي عشعشت في "نخاشيشه" رائحة الحبر, أما بالنسبة إلى الجيل الجديد والأجيال المقبل الذي تغلغلت فيه الثقافة الإلكترونية ، فستحل رائحة الكمبيوتر محل رائحة حبر الورق، ولا شك أن هذا الاهتمام الهائل الذي يسود العالم بمجالات تقنية المعلومات وهندسات الكمبيوتر والشبكات الإلكترونية ونشوء ما يسمى مجتمعات المعرفة, سيدفع كل قوى العالم بقوة نحو استخدام الإنترنت, وقريبا لن يكون هناك أي مجال للمقارنة بين الإنترنت ووسائل الإعلام الأخرى.
ودعونا نقول بإيجاز شديد إن ثورة معلوماتية إلكترونية عارمة بهذا الحجم وهذا الزخم ستضع الصحافة الورقية قريبا في موقف لا يحسد عليه.