الطب الاستشاري الخاص – خاص لمن؟
<a href="mailto:[email protected]">maalabbad@kku.edu.sa</a>
كلما أخذتني الأقدار لأقرأ عبارة الطب الاستشاري الخاص على لوحة وضعت في ردهات مستشفى حكومي عام أو تزينت بها لوحة إعلانية وضعت على المدخل العام للمستشفى العام, أقول لنفسي إن قدرتي على الفهم قد توقفت. أتذكر أن أساتذتي في المحاسبة وعلم الاقتصاد والإدارة قد قالوا إن العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحطيم سور برلين العتيد يواجه تحطيم العديد من المفاهيم الاقتصادية التي رسخت لمدة من الزمن وأن ذلك يعنى موجات عاتية من التغير في العلاقات الاقتصادية بين الشرق والغرب، الشمال والجنوب. لم يكن من الصعب علي بعد ذلك أن أفهم كيف تحولت اتفاقية الجات إلى منظمة التجارة العالمية؟ وكيف انهارت الأسواق المالية في دول شرق آسيا وتورطت معها ماليزيا وبريطانيا في حرب ضروس على سعر صرف العملة؟ قرأت وفهمت الدور الذي لعبه صندوق النقد الدولي لمعالجة الأزمة المكسيكية, ليس كرما منه وإنما لإنقاذ البنوك الأمريكية، وكيف ظهرت التكتلات العالمية وولادة عملة الاتحاد الأوربي "اليورو". قرأت ومازلت عن مجتمعات ما بعد الرأسمالية والتجارة الإلكترونية واقتصاديات ما وراء الأسواق "الميتا ماركت" وفلسفة ما بعد الحداثة وتطبيقاتها المختلفة. لكني لم اقرأ أبدا – واستميح القارئ عذرا في ذلك ففوق كل ذي علم عليم – عن هذه العلاقة الاقتصادية التي ابتكرتها وزارة الصحة بين ما هو عام وخاص أو هو خاص وعام في آن معا. فهل تم تخصيص المستشفى العام أم تم تأميم المستشفى الخاص؟
المستشفى الخاص كما أفهمه يسعى إلى الحصول على الإيرادات وتنميتها عن طريق بيع الخدمات الطبية حتى لو كان مؤسسة غير ربحية – بمعنى عدم وجود ملاك وحقوق ملكية فلا توزيعات للأرباح وإنما يستخدم الفائض من الإيرادات بعد خصم التكاليف كافة في تحسين الخدمات والحفاظ على الأصول. في المقابل فإن المستشفى العام لا يسعى إلى تحقيق إيرادات أبدا، بل لا يحق له نظاما، والإدارة فيه تركز على استخدام الأصول والموارد حسبما تمليه الموازنة العامة. الأصول والأجهزة الطبية على تنوعها ليست مملوكة لأحد في المستشفى العام إنما لها صفة الملكية العامة لذلك لا يحق لأحد أن يستخدمها لتحقيق مكاسب شخصية أو خارج نطاق الأعمال التي خصصت لها. من جانب آخر فإن المستشفى الخاص في سعيه إلى تحقيق الأرباح ويخضع إلى تقييم الأداء لما تخضع له مؤسسات الأعمال فالربح مقياس مهم لذلك تتجه المحاسبة لإظهار ذلك الرقم وقياسه بدقة، بينما تخضع المستشفيات العامة إلى مقاييس الرقابة على الأداء من خلال الالتزام بتنفيذ الموازنة والصرف حسب مقتضياتها فقط. تجتهد المحاسبة لرسم كل تلك الصور المتعارضة من خلال تقارير مالية مختلفة تماما لذلك أسأل عن نوعية التقارير التي تصدرها مؤسسات الطب الاستشاري الخاص التي تعمل ضمن إطار المستشفى الحكومي العام وكيف تقيم أعمالها؟ ولمن ترفع تقاريرها؟
ومن وجهة النظر الاقتصادية البحتة، لا أعرف كيف تستطيع وزارة الصحة أن تفسر العائد الناتج من بيع الخدمات الصحية في المستشفى العام عن طريق الطب الاستشاري الخاص؟ وما هو المبرر الاقتصادي الذي استندت إليه الوزارة لتبرير ذلك العائد ابتداء؟ كيف لها أن توزع هذا العائد على الجهات التي أسهمت فيه؟ كيف يمكن لها أن تميز بين العائد على الأصول والعائد من استخدام قوة العمل؟ كيف تم تحديد الأسعار؟ وما أسس احتساب وتخصيص التكاليف؟ ثم إذا تم تحديد رقم الأرباح فأين حقوق الملكية التي تمثله ومن يستحقه؟ هل الحكومة شريك مع الطبيب الاستشاري أم ما زال الطبيب موظفا لدى الحكومة؟ هل استطاعت وزارة الصحة أن تبتكر نظرية اقتصادية جديدة لاقتصاد هجين بين العام والخاص؟
و إذا تجاوزنا الإشكالية الفلسفية لتبرير كل تلك المتناقضات, فإن التطبيقات العملية تبدو أكثر غرابة وإثارة للتساؤلات. فإذا ساقتك الأقدار – لا سمح الله – لطلب الاستشارة الطبية من الاستشاري المختص فعليك أن تمر أولا بمتاهات وزارة الصحة بدءا من مستوصف الحي إلى الطبيب العام في المستشفى العام إلى الإخصائي وبعد عدة محاولات وسنوات قد تعطى موعدا لتتشرف بمصافحة الاستشاري ليعطيك موعدا آخر بعد عام. أما إذا قررت أن تدخل المستشفى العام من بوابة الطب الاستشاري الخاص, فما عليك إلا أن تحدد الاستشاري المطلوب وتدفع ما يطلب منك وستكون حالا أمام من تريد بعدما تدفع له ما يريد. إذا كنت على موعد لدخول المستشفى لإجراء عملية مهما بدت خطيرة وعاجلة, فإن عليك أن تمر بقصة البحث عن سرير وقد يطول بك الانتظار أياما أو حتى شهورا. أما إذا قررت أن تدخل المستشفى العام من باب الطب الاستشاري الخاص, فكلما عليك هو أن تختار السرير المطلوب وتدفع المطلوب وستجرى لك العملية في الوقت الذي يناسبك.
إن التجارب التي مر بها العديد من الناس أكثر من أن تقدم في مقال، ويكفيك أن تطرح هذا الموضوع في أي مجلس ليتسابق الحضور في شرح معاناتهم وألم تجاربهم. عمليات وصلت إلى أرقام فلكية وحالات حرجة لم تقبل للتنويم عن طريق طوارئ المستشفى العام بينما قبلت فورا عن طريق الخاص حتى أصبح الجميع يسأل هل هذا طب استشاري أم ابتزاز؟ نحن أمام تدليل غير مسبوق للأطباء الاستشاريين تجاوزت فيه وزارة الصحة كل تعقيدات وزارة المالية بينما تقف وزارة التعليم مكتوفة اليدين لا تستطيع أن تقنع بعدم جدوى استئجار منزل سكني لمدرسة. ليس هذا فحسب بل أظهرت الوزارة قدرات تنظيمية هائلة واستطاعت أن توفق بين رغبات كل الأطباء الاستشاريين من حيث تسهيل استخدام الأجهزة الطبية وطلب الأشعة مهما كانت صعبة ومكلفة وتقديم التحليلات الطبية حتى لو لم تكن متاحة. والأكثر من ذلك هو القدرة على توزيع الأسرة وعدم إرباك مواعيد الأطباء الاستشاريين وسرعة عملياتهم حتى لم يبق للمستشفى العام سرير. ومع هذه القدرات الإدارية والعبقرية الاقتصادية التي أظهرتها الوزارة مع الطب الاستشاري الخاص, استغرب الآن كيف استطاعت أن ترضي الطبيب الاستشاري بينما عجزت عن إرضاء المريض؟
في نهاية هذا المقال لا يسعني إلا أن أدعو وزارة التعلم العالي إلى القيام بخطوات مبتكرة أيضا وذلك لإكمال مشروع الطب الاستشاري الخاص الطموح وتقوم بإدراج مواد المحاسبة وإدارة الأعمال في كليات الطب. فيجب على الطبيب الاستشاري منذ اليوم أن يتعلم الكثير عن إدارة الأعمال وفنون إدارة رقم الأرباح. أقول هذا العبارات مع احترامي للعديد من الأطباء الاستشاريين ومنهم من أكن له غاية الاحترام وأذكر له حسن الصنيع.