مفاهيم اقتصادية: الفساد
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
يقوم الفساد بدور هدام في كل نواحي الحياة, خاصة الاقتصادية منها, حيث إن القياس والتأثير المباشر في تكاليف الأعمال ومتطلبات الإجراءات الإدارية يكون واضحا ومفضوحا. الفساد غير مقبول دينيا وأخلاقيا لأسباب عميقة وموضوعية, ولكنه تحليل يقوم بدور ضريبة مباشرة وغير مباشرة ومالية وغير مالية أكثرها ضررا على الاقتصاد هو غير المباشر وغير المالي. فالمباشر والمالي يمكن قياسه وأخذه في الحسبان كأحد عناصر التكلفة على الأعمال التجارية وحتى الشخصية, بينما غير المباشر وغير المالي في المجتمع يخفف من هيبة العقود والمواثيق ويخلق حالة من عدم الطمأنينة والراحة في المجتمع ويسهم في هدم العلاقة الوثيقة بين الثواب والعقاب, التي تعتبر أحد ركائز السوق الحرة. فعندما تفقد السوق الحرة توازنها بسبب تجذر الفساد تصعب العدالة ومع فقدان العدالة لا يمكن أن تصنع سوقا تنافسية في النواحي المفيدة والمنتجة, فتصبح المنافسة على الوصول إلى من يساعد على تفادي العمل الجاد والقفز فوق الكفاءة والإنتاجية. أفضل الأمثلة على غير المباشر وغير المالي هي الواسطة والتغاضي عن المسؤول غير الكفؤ.
ينشأ الفساد جزئيا بسبب طبيعة الإنسان في الطمع واختصار الخطوات إذا أمكن, وكذلك ينشأ في حالتين على الأقل من زاوية اقتصادية, الأولى حينما تكون الأنظمة والقوانين لا تعترف بوضع اقتصادي واضح على أرض الواقع, أو عندما تفقد الشفافية والوضوح. في الحالة الأولى هناك أمثلة كثيرة, فحينما كان استيراد منتجات التبغ ممنوعا نما هناك طلب كبير, فإذا بالمهربين يسعون إلى النجدة ويخاطرون بمخالفة الأنظمة والقوانين ويلجأون إلى تقديم الرشوة إلى كل من له علاقة بالأجهزة الحكومية, هذا الوضع يرفع سعر السلعة صناعيا ويحرم الحكومة من دخل الرسوم والضرائب والجمارك بينما يذهب كل السعر بهامش عالي الربحية إلى المهربين. هذا الربح الوافر يمكنهم من مشاركة بعض ضعاف النفوس من موظفي الدولة, وبذلك يتفاقم الخطر حينما يقبل المؤتمن أخذ الرشوة, فكسر الحاجز النفسي يقود تدريجيا لأشياء أكبر. مثال آخر هناك طلبات كثيرة للعمل في المملكة مما يضطر الكثير من العاملين القادمين إلى دفع رشا للكثير من المسؤولين في بلدانهم على أن يصلوا إلى المملكة, وهذا يؤثر في نوعية العامل القادم إلينا, فقد لا يكون الأفضل.
للحد من هذه الظاهرة يحبذ أن تدرس الأنظمة والقوانين بنظرة ثاقبة إلى فهم الوضع المراد إصلاحه موضوعيا وإلى قدرة الناس, خاصة رجال الأعمال على التكيف مع ما يحد من قدراتهم على القيام بأعمالهم لمزيد من الكسب المشروع وغير المشروع (الذي ينشأ لعدم واقعية بعض الأنظمة).
العامل الآخر في وجود بيئة الفساد الاقتصادي هو فقدان الشفافية والوضوح, فكلما تزيد الشفافية يقل الفساد والعكس صحيح. فالشفافية كالنور الساطع بين الناس الذي يصعب مهمة السارق الذي يفضل الظلام الدامس لمد يده خلسة. الكثير من الدوائر الحكومية تعطي مدير الدائرة ذا العلاقات الاقتصادية والمالية سلطة فريدة مما يصعب مسؤوليته ويجعله إما أن يكون مثاليا وإما أن يكون متعاونا مع بعض الأطراف. إذا أجبرنا الشخص على الاختيار فإنه قد يخضع ويضعف في وقت ما فنكون ساعدناه على تجاوز الأنظمة دون قصد وجعلنا من إنسان يخاف ربه إنسانا آخر. فكلما ازدادت الأنظمة وضوحا وشفافية أصبحت الأسعار والتقييم والتثمين دقيقا وذا مصداقية يسهل الوصول إليه من جميع الأطراف وقلت فرص التلاعب وغش المجتمع والعكس صحيح. أحد أوجه الفساد التي بدأت في الظهور حديثا هو عدم استعداد بعض الأجهزة الحكومية (التي تسعى إلى مجاراة القطاع الخاص في الخدمات) للأخذ بسلم رواتب لا يتماشى مع القطاع الخاص مما يحفز بعض الموظفين على تعويض أنفسهم بطريقة غير قانونية. محاربة هذه الظاهرة تكمن في دقة الأنظمة ووضوحها من ناحية وتوزيع الصلاحيات من ناحية أخرى. لا أحد يستطيع أن يزيل الفساد تماما ولكن الحد منه يخدم المجتمع والاقتصاد والحد منه عامل جذب للاستثمار أيضا, فهناك مؤسسات دولية تصنف الدول على درجة الفساد الاقتصادي والإداري والكثير من المستثمرين الأجانب يأخذون هذا في الاعتبار حينما يسعون إلى الاستثمار في بلد معين. ولكن الأهم من ذلك هو المسؤولية الأخلاقية والحاجة التنموية للمملكة ولأي بلد إلى الحد من هذه الآفة.