رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قواعد الحوكمة... بين النظرية والتطبيق

<a href="mailto:Dr_ [email protected]">Dr_ [email protected]</a>

إذا استعرضنا أسواق المال في كل دول العالم .. نجد أن السوق عبارة عن صراع بين البائعين والمشترين إلا في أسواق الخليج، فإن أسواق الأسهم هي صراع بين الهوامير وهيئات أسواق الأسهم.
ويبدو أن حالة الضعف غير المبررة التي تعاني منها مؤشرات أسواق الأسهم الخليجية طوال الأشهر الثلاثة الماضية .. تعود إلى الاختلال الواضح في ميزان القوى بين قوة مفرطة في قوتها وهي ما يطلق عليها اسم الهوامير، وبين ضعف ملحوظ في مجالس إدارات هيئات أسواق الأموال.
ونقول صراحة إن حكومة المملكة العربية السعودية اتخذت حزمة من الإصلاحات كان يجب أن تفعل آليات السوق، بحيث تتحول خطوط المقاومة الجسورة .. إلى خطوط دعم تحرر المؤشر من قبضة الركود والهبوط وتتجه به إلى الصعود الطبيعي المتوازن في ظل ظروف اقتصادية لو وجدت في أي سوق رشيدة وسوية، فإنها ستحقق للمؤشر ظروفا مناسبة للصعود الطبيعي المتوازن وكذلك الهبوط الطبيعي المتوازن.
بمعنى أن المشكلة العصية في أسواق الأسهم الخليجية هي أن مجالس إدارات الأسواق أضعف من هوامير السوق الذين لا يتورعون عن مخالفة قواعد الحوكمة لتحقيق مصالحهم الخاصة، ضاربين عرض الحائط بكل الأنظمة والتعليمات.
وطالما أن مجالس إدارات هيئات أسواق الأسهم في الأسواق الخليجية .. أضعف من هوامير السوق، فإنهم لا يقوون على اتخاذ قرارات ضدهم وإلا فإنهم سيدخلون الأسواق في أتون أزمات تخلخل التعاملات وتؤدي بمؤشر السوق إلى الهبوط الحاد.
هذا هو التفسير الشائع الذي يسود أسواق الأسهم الخليجية في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها الأسواق في هذه الأيام.
والسوق السعودية إحدى أسواق الخليج التي تتعرّض لمثل هذه المعضلة في هذه الأيام، مما جعلها تعاني من التذبذب، بينما اقتصادها الوطني في أوج عافيته، بمعنى أن ظاهرة تلعثم المؤشر طوال الأشهر الثلاثة الماضية ليس له إلا تفسير واحد وهو أن مجلس إدارة هيئة سوق المال لم يستطع أن يتخذ القرارات والإجراءات التي تتيح للمؤشر أن يعبر عن الظروف الاقتصادية النشطة التي يعيشها الاقتصاد السعودي.. إما خوفا من ردود الأفعال السلبية التي ستطال أداء السوق وإما أن بعض الهوامير لديهم من القوة ما يستطيعون بها تعديل أسماء أعضاء مجلس إدارة هيئة سوق المال.
ولذلك فإن الحل بالنسبة لأسواق الأسهم الخليجية، وبالذات سوق الأسهم السعودية، هو أن يرتفع مجلس إدارة السوق إلى مستوى الطرف الأقوى في المعادلة، ويتخذ الإجراءات الصارمة التي تمنع أصحاب النفوذ الكبير من السيطرة على السوق وتوجيهها إلى حيث يريدون ويرغبون.
بمعنى إذا تمكن مجلس إدارة هيئة سوق المال من اتخاذ القرارات الصارمة والرادعة لكل من يخالف الأنظمة والقواعد القانونية، عندئذ فقط تنهار خطوط مراكز القوى، وتتفاعل خطوط المنافسة العادلة بشكل طبيعي وليس بفعل فاعل، ويتجه المؤشر إلى الصعود المتوازن أو الهبوط المتوازن في ظل متغيرات اقتصادية ومالية موضوعية.
والسؤال: كيف تصبح مجالس إدارات هيئات أسواق المال في أسواق الخليج هي الأقوى من الهوامير أو الأقوى من القوى الخفية؟ أمام مجالس إدارات أسواق الأسهم في دول الخليج طريق واحد وهو أن تسعى إلى تطبيق أنظمة هيئة سوق المال وبالذات قواعد حوكمة الشركات وتحقيق الشفافية والعدالة وتطبيق مبدأ المساءلة لكائن من كان، وبذلك تتمكن الأسواق من إنهاء ظاهرة سيطرة مراكز القوى.
إن بعض مجالس الإدارات في البنوك والشركات في أمريكا وأوروبا ارتكبوا سلسلة من الفظائع المالية التي عصفت بوجود مجموعة من أكبر البنوك والشركات في العالم . وأمام هذه الزلازل المدمرة التي ضربت سوق المال والأعمال في أمريكا وأوروبا وشرق آسيا في التسعينيات .. سعى المفكرون الإداريون والمشرعون إلى وضع أحكام صارمة (الحوكمة)، وكان هدفها محاربة الفساد المالي والإداري في مؤسسات القطاع الخاص.
وهكذا تم وضع قواعد الحوكمة منذ أن تعرّضت دول النمور الآسيوية والشركات الأمريكية والأوروبية الكبرى إلى الإفلاس. وبعد الانفجار الذي ضرب سوق المال الآسيوية في عام 1997م، أخذت الأسواق في كل دول العالم تتجه جديا إلى تطبيق مبادئ "حوكمة" الشركات.
ويمكن تلخيص مبادئ الحوكمة فيما يلي:
1 – الحفاظ على حقوق المساهمين، وبالذات أصحاب الأسهم القليلة.
2 – الحفاظ على حقوق الأطراف المتعاملة كافة بما فيها الدولة.
3 – تكريس الإفصاح والشفافية كمبدأ ملزم للشركات في جميع أعمالها وأنشطتها ومعاملاتها.
4 – اعتماد توازن دقيق في التنظيم والإدارة بين الصلاحيات الممنوحة للعاملين، وبين المسؤوليات الواجب عليهم القيام بها.
إن الالتزام بقواعد حوكمة الشركات أصبح ضرورة لتأمين وتحسين المناخ الاستثماري العام للدولة بكل ما يعنيه من قدرة على إنعاش الاستثمار الخاص، وتحفيز كبار وصغار المدخرين وأصحاب رؤوس المال على ضخها في الأسواق المالية والمعاملات التجارية بدرجة عالية من الثقة، ولا تعني حوكمة الشركات مجرد احترام مجموعة من القواعد وتفسيرها تفسيراً جامداً وحرفياً، وإنما هي ثقافة وأسلوب في ضبط العلاقة بين مالكي الشركة ومديريها والمتعاملين معها، وهي علاقة الثقة التي لا غنى عنها في تعاملات البنوك ومؤسسات التمويل ومؤسسات التصنيف الائتماني للوصول إلى تحديد الجدارة الائتمانية للشركات.
وكلمة أخيرة نقولها في عجالة: إذا كانت الأسواق الخليجية لا تحقق معدلات نمو جيدة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية الوارفة، فما الحال التي ستكون عليها الأسواق الخليجية حينما تتراجع حالة الانتعاش في الاقتصاد وحينما تعود أسعار البترول القهقرى إلى الهبوط؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي