قضية شركات استثمار الأموال .. 4 أعوام دون حسم !!
<a href="mailto:www.Dr-alshiha.com">www.Dr-alshiha.com</a>
اعتدت أن أتلقى العديد من الرسائل الإلكترونية والمكالمات الهاتفية والحديث الشخصي في مثل هذا الوقت من كل عام, أي قرب حلول شهر رمضان المبارك، يُطلب مني الكتابة عن حقوق مساهمي شركات استثمار الأموال والتجربة القاسية التي يمرون بها, والتي تزداد سوءا مع مرور الوقت. فهذا التوقيت يصادف تاريخ إعلان إيقاف شركات استثمار الأموال المفاجئ ودون سابق إنذار. وبحلول شهر رمضان المبارك هذا العام سيكون قد مضى على قضية مساهمي هذه الشركات أربعة أعوام دون أن يعلموا ماذا حل بأموالهم وما الإجراءات التي تمت, وهل تم التوصل إلى قرار بشأن توزيع مستحقاتهم المالية. لقد تكبد هؤلاء المواطنون خسائر مالية جسيمة جراء حبس أموالهم, وبالتالي تفويت الفرصة لاستثمارها في سوقي الأسهم والعقار وغيرهما كل طالع شمس، فضلا عن مواجهة الضائقة المالية التي يتعرضون إليها والديون التي وجب عليهم سدادها. إنها قضية أصبحت تؤرق الكثيرين ليس في جانبها المالي وحسب ولكن جانبها القانوني بشقيه القضائي والإداري والتباطؤ الشديد في حسمها ما يزيد من معاناتهم. فهم لا يعلمون لماذا لم يبت في القضية مع أنه مر عليها زمن طويل؟ كما أنهم يستغربون تهميشهم وعدم إفادتهم عما تم وكأن الأمر لا يعنيهم.
الكل يعلم علم القين أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله, حفظه الله ورعاه, لا يألو جهدا في البذل والعطاء من أجل رفاهية المواطن وتهيئة الظروف المعيشية الكريمة، وغني عن القول قراراته وسياساته ومشاريعه التنموية والازدهار الاقتصادي الذي نعيشه بل فلسفته وحكمته التي زادت من لحمة الشعب بحكومته وقيادته وولاة أمره والمتمثلة في مقولته الشهيرة "من نحن دون مواطنينا"، رفع الله شأنك يا أبا متعب في الدنيا والآخرة وجعلك الله ذخرا للإسلام والمسلمين. إلا أن الأجهزة البيروقراطية وبحكم طبيعة عملها وإجراءاتها الروتينية تكون أبطأ في استيعاب الإرادة السياسية وتحقيق التوجيهات الكريمة، ما يشكل عائقا في إنفاذ ما يجب عمله في الوقت المطلوب. إن ما يجعل هؤلاء المواطنين متمسكين بالأمل (بعد الله) بعودة أموالهم كاملة غير منقوصة وفي أقرب وقت, هو حرص ولاة الأمر على إعطاء كل ذي حق حقه وإقامة العدل ورفع الظلم والأذى عن المواطنين. إن الحقيقة الماثلة لكل من يعيش في كنف هذه الدولة المسلمة والقائد الصالح هي احترام الحقوق والحفاظ عليها والسعي حثيثا إلى جلب المصالح ودرء المفاسد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن قضية شركات استثمار الأموال هي قضية وطنية لها تبعات وتأثير في شريحة كبيرة من المواطنين، ولذا كان من الأجدر النظر إليها من هذه الزاوية حتى تأتي الحلول والمعالجات تتناسب مع حجمها وأهميتها. إن قضية بهذا الحجم والأهمية تستدعي قرارات حاسمة حتى لا تتفاقم وتتحول إلى أزمة. ودون الخوض في أسباب المشكلة ومن تقع عليه المسؤولية فإن هناك ضررا وقع على عدد كبير من المواطنين، ما يستلزم تدخل الحكومة حتى ولو اقتضى الأمر الدعم المالي لرفع الضرر عنهم. المتضررون يمثلون شرائح اجتماعية متعددة ومستويات اقتصادية مختلفة، فبعضهم من أصحاب الدخول المتدنية وأكثريتهم يصنفون في أدنى شريحة الدخل المتوسط وبالتالي فإن حجم الضرر المالي يمثل تحديا كبيرا لا يستطيعون تحمله ومواجهته. منهم من يعيش حد الكفاف وبالكاد يفي بالتزاماته المعيشية والبعض الآخر أرهقته الديون, فضلا عن خسارته مسكنه أو سيارته, كل ذلك في سبيل تحسين مستوى المعيشة والبحث عن دخل يفي بمتطلبات الحياة الكريمة, فهناك من لا يكفي راتبه الشهري تغطية تكاليفه المعيشية، ولربما كان لديه أبناء في سن العمل حاصلون على مؤهل ولم يجدوا عملا أو أنه يقوم برعاية والديه المسنين وما إلى ذلك من ارتباطات اجتماعية والتزامات أسرية تشكل ضغوطا كبيرة لا يستطيع أن ينفك منها في مجتمعنا التكافلي. قد يقول قائل ممن ليس لديهم دراية بالقضية إن هذه قرارات فردية وخيارات استثمارية يتحمل تبعاتها الأفراد, وبالتالي فهي ليست قضية اجتماعية تستلزم تدخل طرف ثالث (الجهات الرسمية) لحلها، وهذا قد يكون صحيحا في ظاهر الأمر إلا أنه في واقع الحال لم يكن للمستثمرين الخيرة من أمرهم فقد أوقفت شركات استثمار الأموال على حين غرة وبشكل مفاجئ بعد مضي أعوام عديدة وصلت في بعض الحالات إلى عشر سنوات من ممارسة هذه الشركات أعمالها وتحت نظر الجهات الرسمية بل ومراجعتها والتحقق من قانونيتها عدة مرات ولم يدر في خلد المستثمرين أن الشركات ستتوقف بهذه الطريقة التي سلبتهم حق تقرير الاستمرار من عدمه. ولذا فإن المستثمرين لا تقع عليهم لائمة سوء القرار الاستثماري أو تنطبق عليهم الحالة ذاتها التي يواجهها المستثمر في سوق الأوراق المالية, لأنهم لم يملكوا قرار الانسحاب أو البقاء وإنما وجدوا أنفسهم خارج دائرة القرار في السوق بتدخل طرف ثالث غير طرفي التبادل. بل إن ما يستغرب له أنه إلى الآن وبعد مضي أربعة أعوام لم يصدر أي تعليق حول ما تم وما مصير أموال هؤلاء المتضررين. وبسبب عدم وجود معلومات رسمية سرت الشائعات والأقاويل المغلوطة وبدأ البعض يلقي التهم جزافا ويصدر أحكاما غير صحيحة تنبئ عن الحالة النفسية في مواجهة الغموض حيال مصير أموالهم والإحباط الذي انتابهم جراء تهميشهم وعدم تمثيلهم في اللجان التي كونت للنظر في قضيتهم. التعزية الوحيدة التي يجدونها هي في تلك الأخبار الصحافية بين الفينة والأخرى لا تعدو كونها تشويقا صحافيا لزيادة المبيعات لعلم بعض الصحف أن هناك أعدادا كبيرة تنتظر بفارغ الصبر عودة أموالها إليها أو على أقل تقدير معلومات عما يتم من إجراءات تتعلق بقضيتهم.
لقد كتبت عدة مقالات حول هذا الموضوع لإحساسي بمعاناة هؤلاء الناس وشعورهم بالظلم الذي تولد لديهم والضياع الذي يعيشونه والحرقة على ما فاتهم من فرص استثمارية كبيرة إبان انتعاش سوق الأسهم واستفادة الكثيرين من إخوانهم المواطنين في تحسين أوضاعهم المعيشية. لا تملك وأنت تتحدث مع أحدهم إلا الإحساس بمعاناتهم وتفهم حالتهم والتعاطف معهم فقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ولم يعد بإمكانهم تحمل المزيد من الانتظار والتهميش. لقد تم إطلاق بعض المحتجزين على ذمة القضية من أصحاب الشركات واستبشر الناس خيرا إلا أنه ومع مضي ما يقارب العام ونيفا لم تتم إعادة الأموال لأصحابها التي من أجلها تم الإفراج. إن حالة الغموض وشح المعلومات تجعل الأفراد يسيئون الظن ويتوهمون أمورا قد لا تكون صحيحة بل يتخذون موقفا سلبيا تجاه أمر الإيقاف، لأن الإنسان عدو ما يجهل. ما كان ينبغي عمله ومنذ البداية هو وضع جدول زمني يحدد فيه المهام التي يجب عملها والالتزام بتنفيذها. أعلم أن القضية تعرض على القضاء وهذا إجراء قد يطول إذا ترك دون مواعيد محددة للبت فيه. الأمل كبير أن ترد أموال الناس إليهم لا يظلمون ولا يُظلمون في القريب العاجل. الأمل معقود بالله ثم بولاة الأمر في تعجيل النظر في القضية وحسمها حتى لو اقتضى ذلك الدعم المالي في حال تعذر سداد جميع مستحقات المساهمين. حفظ الله ولاة أمرنا وأجرى على أيديهم الخير والعدل والعطاء، ليظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.