رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قوة الاقتصاد السعودي .. في الإصلاح

<a href="mailto:[email protected]">mdukair@yahoo.com</a>

نشرت "الاقتصادية" الأسبوع الماضي تقرير مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني عن حالة الاقتصاد السعودي الذي عرض مكامن القوة والضعف في اقتصادنا الوطني. وقد نوّه التقرير بالاستقرار السياسي وبرامجه الإصلاحية كالانتخابات البلدية وتوسيع مجلس الشورى، وبالتحسن الكبير الذي طرأ على الوضع الأمني في البلاد. أما في جانب الإصلاح الاقتصادي، فقد أشار التقرير إلى تطوير أنظمة السوق المالية، وفتح مجالات استثمارية جديدة أمام القطاع الخاص وفقا لمتطلبات انضمام المملكة إلى منظمة التجارة الدولية، خاصة في مشاريع توسيع الطاقة الإنتاجية للنفط والغاز والتكرير. وقد حدد التقرير مكامن قوة الاقتصاد الوطني في الجوانب التالية: الاحتياطي النفطي الكبير، وفوائض الميزانية الحكومية، وسياسة إطفاء الدين العام، إضافة إلى قوة النظام المصرفي (البنكي).
ولا شك أن هذه مؤشرات إيجابية، لكن علينا أن نلاحظ أن العنصر الأساسي الذي ترتكز عليه أغلب هذه العوامل هو تحسن أسعار النفط. فحجم احتياطي النفط، والفوائض المتحققة في الموازنة العامة للدولة والقدرة على إطفاء الدين العام الضخم، وقوة النظام البنكي، اعتمدت جميعها تقريبا على ما طرأ من تحسن على أسعار النفط قبل أي شيء آخر. ولذلك وجدنا التقرير ينبه، في الجانب الآخر، إلى أن أحد أهم مكامن ضعف الاقتصاد السعودي هو استمرار اعتماده على مصدر وحيد للدخل. وهذه حقيقة كثيرا ما أشرت إليها في عدد من مقالاتي السابقة، مذكرا أننا حتى الآن وبعد ثماني خطط تنموية لم نفلح في تحقيق تقدم ملموس فيما يتعلق بهذا الهدف الاقتصادي الإستراتيجي. فيما نجحت دول أخرى في تحقيق إنجازات ملموسة وواضحة في فترة العقود الأربعة الماضية نفسها التي استغرقتها خططنا التنموية الثماني (ماليزيا ودبي على سبيل المثال)!
لذا فإنه جدير بنا ألا نفتن كثيرا بمثل تقرير مؤسسة فيتش، فمثل هذه التقارير هدفها تصنيف قدرة اقتصادنا على تسديد أي التزامات مالية قد تنشأ عن معاملات دولية، وكذلك بيان القوة الشرائية التي يتمتع بها اقتصادنا ليكون زبونا جيدا لصادرات الدول الكبرى من السلع المدنية والعسكرية. أما النجاح الحقيقي فيتمثل في سرعة إخضاع ظاهرة إخفاقنا في تحقيق هدف تنويع مصادر الدخل للدراسة الجادة، لتحديد مواطن الخلل ومعرفة سبل الإصلاح وبيان طريق الانطلاق. يجب أن نصارح أنفسنا بعيوب اقتصادنا، ولا نجعل فترة فوائض عوائد النفط تخفي هذه العيوب الجوهرية أو تؤجل إصلاحها.
لقد تسابقت صحفنا في نشر خبر توقع ارتفاع متوسط دخل الفرد السعودي إلى 58.5 ألف ريال سنوياً خلال عام 2006م، بزيادة تبلغ 17.2 في المائة عن العام الماضي البالغ 49.9 ريال، وليس لهذا المؤشر كمتوسط عام دلالة مهمة دون اقترانه بتحسن واضح في تفاصيل هيكل الاقتصاد وطريقة توليد وتوزيع الدخول والثروات في مجتمعنا. فمتوسط الدخل الفردي ما هو إلا مجرد حاصل قسمة الدخل القومي على عدد السكان، ويستخدمه الاقتصاديون لقياس معدل النمو، ولإجراء بعض المقارنات الدولية. أما محليا، فالمهم هو بيانات توزيع الدخل. فالبلد الذي يحوز فيه أغنى 10 في المائة من السكان على 50 في المائة من الدخل القومي، هو أسوأ حالا من البلد الذي يحوز فيه أغنى 10 في المائة من السكان على 30 في المائة مثلا من الدخل القومي، حتى وإن تساويا في متوسط الدخل الفردي! لذلك لم يكن غريبا أن ترى ردود فعل متعجبة من عموم قراء الصحف عند تعليقهم على هذا الخبر في المواقع الإلكترونية لهذه الصحف، لأن الخبر يقول شيئا وهم فهموا متوسط الدخل بمعنى مغاير لما يحسون ويعلمون عن واقع دخولهم.
ثم أشار تقرير مؤسسة فيتش إلى مكامن ضعف أخرى تواجه اقتصادنا، مثل التحديات والمخاطر الجيوسياسية التي تفرضها الاضطرابات السياسية في منطقتنا، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها النمو السكاني العالي وحاجة الاقتصاد تبعا لذلك لضمان تحقيق معدلات نمو مناسبة في الإنفاق الاستثماري بنوعيه الحكومي والخاص بحيث تسمح هذه النسبة بتوفير مختلف السلع والخدمات الأساسية التي يحتاج إليها جمهور الناس، بجانب توفير وتوليد عدد مستمر من الفرص الوظيفية لاستيعاب قوى العمل الجديدة التي تدخل سوق العمل بأعداد كبيرة سنويا.
وهكذا فإن مجتمعنا لا يزال يواجه تحديات وصعوبات اقتصادية مستمرة ومتجددة. وليس التحدي في وجود هذه الصعوبات، وإنما في كيفية مواجهتها، ومدى تحلينا بإرادة صادقة وعزيمة ماضية لتطوير قدراتنا المتعلقة بحسن استغلال مواردنا بأفضل وأكفأ الطرق التي تمكننا من مواجهة مشاكلنا الاقتصادية وتلبية حاجاتنا المتزايدة.
يقول زميلنا صاحب القلم الفذ الأستاذ "نجيب الزامل" في مقال له نشر بهذه الصحيفة في الأسبوع الماضي "عندما لا نقيس تطورنا مقارنة بالآخرين، ونقتصر على الإشادات الرسمية أو المتابعات الصحافية التي تمارس دور النشرات الرسمية الباهتة، فهناك خطأ. وعندما تغيب الموضوعية، والاختيار العادل للمناصب المهمة المتعلقة بتطوير قدرات الأمة، وتغيب الحكمة، وتغيب الشجاعة والمصارحة والنصيحة الخالصة فهناك خطأ".
والحق أنه ليس مهما كم يبلغ متوسط الدخل الفردي السنوي، بل الأهم هو هل يجد ابنى وابنك مقعدا دراسيا، ووظيفة يمتهنها بعد تخرجه، وهل يستطيع أن يتملك مسكنا بتكاليف معقولة قبل أن يوارى جسده في الثرى (هناك فقط نحو مليون مواطن يمتلكون منازل غير شعبية في بلادنا) وهل يجد المواطن سريرا شاغرا في المصحات إذا ألّم به أو بأهله عارض صحي، وهل يتمتع بخدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي بتكاليف مناسبة وبلا انقطاع في الأوقات الحرجة؟
إن القوة الحقيقية لاقتصادنا ليست في تراكم عوائد النفط، ولا في زيادة متوسط الدخل الفردي. بل هي في الواقع عندما نستغل هذه العوائد في إحداث تغيير نوعي في صروحنا الصناعية، وقلاعنا التعليمية، وخدماتنا الصحية، وأساليبنا الإدارية، والتزاماتنا المنهجية، بحيث تفضي بنا في نهاية المطاف إلى دخل وطني أكثر تنوعا. سيظل اقتصادنا حرجا، ما بقي معتمدا على تغيرات أسعار النفط!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي