حالة المزاج العام
كلما تثور زوبعة سياسية وتمتد لتصبح عسكرية ترتفع الأصوات وتهيج العواطف ونشهد حالة من التكهرب تذكرنا مرات بالتاريخ ومرات بالضعف والهوان ومرات بالعنفوان والعناد ومرات بالتفاؤل ومرات أخرى بالتشاؤم. هذه حالة عامة بل متوقعة في المجتمعات الشرق أوسطية نظرا للضعف العام الناتج عن التداخل الأيديولوجي والقومي من ناحية مع الوطني من ناحية أخرى. وفي مستوى آخر هناك تجاذب في الوجدان والعقل والمصلحة وفجوة بين الحاكم والمحكوم. هذا التداخل والتجاذب يبدد الطاقات ويرهق نظام الدولة وجهاز الحكومة ويعكر مزاج الأفراد ويشتت أفكارهم, فتصبح الحكومات وحتى الدول قادرة على الحكم ولكن في الغالب غير قادرة على القيادة في أغلب دول المنطقة على الأقل. هذه المثقلات ليست كافية في مجتمعاتنا, بل هناك تدخل دول تريدنا أن نصبح ديمقراطيين أكثر منهم مرات ومرات أخرى طائعين, وهناك ثورة معلومات وإعلام لا يكفان عن تذكير الجميع بالضغوط في كل مفصل, اجتماعيا كان أو سياسيا, فلم يعد التحليل التآمري يسعف معتنقيه ولا التحليل المنطقي يطمئن من يبشرون به, فالأول يبسط الأمور والثاني يعقد الأمور.
هذه الحالة العامة تصف حالة من الضعف يصعب فيها اتخاذ ليس قرارات صريحة وصادقة فحسب, بل حتى البيان والنبرة الصحية أصبح يلام من تشجع ويذكرها. وما من غرابة في ذلك حينما تكون العاطفة أقرب إلى السطح والتآمر هو المنظار العقلي لتحليل الأوضاع أيا كانت سياسية أو حتى فكرية. هذه الحالة تجعل التشبث بمنقذ أيا كان, مرة بطلا قوميا يدعي الحداثة باللبس الغربي ومرة بطلا أيديولوجيا متلبسا عمامة تراثية وما تحمله هذه الرمزيات من شجون وأحلام. ما يجمع الاثنين مع طيب النيات هو ما تسمح به هذه الحلول الشمولية من تفاد للعمل الجاد المنظم الهادئ.
الإنسان يحمل الوجدان والعقل, فعندما يستطيع أصحاب الحلول الشمولية الاستيلاء على وجدانه يبدأ يقلل من جهوده الذهنية, وهذا ينعكس مباشرة على الحالة العلمية في المدرسة والجامعة والمكتب والميدان. فتبدأ القيادات في لوم حالة المجتمع وظروفه وتبدأ الشعوب في لوم القيادة وعدم قدرتها على تقديم حلول مبسطة, فكأن لا أحد يرغب في الحل الجاد. ما يملأ هذا الحيز هو فقدان منهج وطني تنموي من ناحية والسياسة الخارجية للدول العظمى, خاصة أمريكا وبريطانيا, في المنطقة, اللتين تسعيان منطقيا إلى مصالحهما ومرات (يتطوعون) بأعمال ونصائح في الفوضى الخلاقة التي لا نريد أن نسأل المواطن العراقي عن نتائجها.
السؤال الملح حول هذا الوضع الصعب هو: هل تتصالح النخب الحاكمة من خلال إبداء رغبة جادة في العمل والقدوة الحسنة والشعوب من صبر والتزام بالمسؤولية والانضباط لكي تتغير الحالة؟ العالم كله ينظر إلى هذه المنطقة ويستغرب عدم قدرتنا على النهضة, فلدينا القاعدة البشرية والثروة النفطية والرصيد التاريخي. وهذا ما تذكرنا به الآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم.
لا تختلف أزمة لبنان عن غيرها من الأزمات التي مرت على المنطقة على المستوى السياسي عدا في نقطتين مهمتين, الأولى هي التعبير عن صعود إيران إلى قلب مسائل كانت عربية بحتة (في مواجهة إسرائيل والغرب), والثانية هي الخطاب السعودي الصريح والمسؤول. ولكن كما ذكرنا في وصف البيئة العامة في المنطقة لم يعد للصراحة مكان ومن يأخذ بالصراحة والأمانة ووصف الواقع الأليم لا بد أن يتحمل تبعات وتكلفة الجهد الأولي لتغيير البيئة السياسية الاجتماعية لكي يتأتى للمجتمع أن يبدأ بمواجهة تحديات التنمية الصعبة.
علينا الاختيار, إما مساعدة قيادتنا على إيجاد البيئة الصالحة وإما الركض وراء المطبلين والمشككين, ولعل هذا الخيار ليس غريبا علينا من ناحية فكرية, فنحن نفضل الأسود والأبيض وليس لدينا سعة الأفق (جماعيا) في إعطاء فرصة للون الرمادي الذي يسمح بالبناء التدريجي التصاعدي. ولكن الوضع يمس الحياة العامة وليس الفكرية فقط, ولذلك علينا تعزيز الثقة بالنفس وتجربة قيادتنا والنهج التنموي. وكما يقول البيت العربي: "السيف أصدق إنباء من الكتب" وسيف اليوم هو البرامج التنموية التي يراها الناس وهي التي تقويهم معنويا وماديا.
المتغير في المنطقة هو الحروب والتجاذبات والثابت هو النهج السعودي المتعقل والتنموي, فالرهان على المدى البعيد وليس على المتاجرة بعواطف العامة وجشع النخب.
فواز بن حمد الفواز
عضو الجمعية الاقتصادية السعودية
<p><a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a></p>