رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الطريق إلى بناء اقتصاديات السينما السعودية

<a href="mailto:[email protected]">dr_saaty@Yahoo.com</a>

جمعني مجلس ورجل الأعمال المعروف الصديق أحمد باديب وتحدثنا عن الأسباب المؤثرة في أسعار سوق الأسهم السعودي وانعكاسات هذه الأسباب على مستقبل الأسعار، ولكن يبدو أن الحديث عن سوق الأسهم لم يعد مجديا وأصبح كالحديث عن لعبة الكراسي الموسيقية، لذلك تحولنا إلى الحديث عن اقتصاديات السينما السعودية، واتفقنا على أننا إذا استطعنا أن نجعل من السينما صناعة وطنية، فإن صناعة السينما يمكن أن تكون مصدرا من مصادر الدخل الوطني.
لذلك فإن غياب السينما كوسيلة من وسائل الإعلام الوطني تعد خسارة اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية كبيرة، ونعرف جميعا الدور المثالي لاقتصاديات الصحافة والإذاعة والتلفزيون الفضائي وكذلك الإنترنت وأجياله المختلفة .. هذه الوسائل أصبحت مصدرا مهما من مصادر زيادة الدخل الوطني لكثير من الدول.
ولا شك أن الاقتصاد السعودي وهو يسعى إلى التنوع يحتاج إلى أن تكون صناعة السينما كما صناعة الصحافة والإذاعة والتليفزيون والإنترنت لاعبا مهما في مشاريع زيادة الموارد في شرايين الاقتصاد الوطني.
إن أسراب العاملين في الإعلام الوطني يتزايدون بمعدلات عالية، كما أن بناء المؤسسات التعليمية والتدريبية في مجالات الإعلام وتكنولوجياته المختلفة يتزايد، وأن أسرابا من الناهلين منها يتقدمون إليها، كما أن المؤسسات الصحافية السعودية تحقق مزيدا من النمو والأرباح وتتسابق إلى زيادة رأس المال وتعمل على رفع كفاءتها وزيادة إنتاجيتها .. وصولاً إلى النمو الهائل في مجال الإعلان الذي تجاوز مئات المليارات من الدولارات الأمريكية والريالات السعودية..
وإذا كنا جميعا نتفق على أنه لا يوجد مانع شرعي يمنع قيام صناعة السينما في المملكة العربية السعودية، بل يوجد مسوغ نظامي متمثل في نظام المطبوعات والنشر يسمح بها، فإن دعم مشاريع صناعة السينما السعودية يصبح الآن ضرورة ملحة، ونعتبر أنفسنا أننا تأخرنا كثيرا في اقتحام بوابة صناعة السينما كوسيلة من وسائل الإعلام الحديث، لذلك فإن الوقت قد حان لمباشرة بناء صروح صناعة السينما السعودية ابتداء من معاهدها وكلياتها العلمية المتخصصة لتخريج الكوادر في كل التخصصات.. حتى بناء دور العرض بما يكفل تطبيق أعلى درجات الالتزام بمبادئ الأخلاق والحفاظ على التقاليد العربية السعودية الأصيلة.
إن صناعة السينما تعتبر أحد الأنشطة الاقتصادية التي لها دور في زيادة الدخل القومي لكثير من الدول، ونذكر- على سبيل المثال ـ أن مساهمة صناعة السينما في الدخل القومي للاقتصاد الأمريكي بلغت عام 2005 نحو 3 في المائة، بينما كانت السينما تسهم بنحو 4 في المائة من الدخل القومي في المملكة المصرية (جمهورية مصر العربية). وفي هذا السياق قال لي الصديق أحمد باديب إنه حصل على إذن رسمي ببناء دور للسينما في مدينة جدة يتوافر فيها كل الإمكانات التي تحقق الهدف الثقافي والاجتماعي والاقتصادي من إنشائها لتكون نواة لقاعدة اقتصادية عملاقة للسينما السعودية، ولكنه بعد الانتهاء من بناء دور نموذجي للسينما السعودية، فوجئ بتجميد المشروع والتوقف تماما عن أي عمل يتعلق بالتشغيل.
والواقع أنني لم أجد مبررا للمنع لا شرعيا ولا اجتماعيا ولا سياسيا، وإذا كنا نسمح ببناء محطات للتليفزيون ونشر أجهزة التليفزيون في كل البيوت والمقاهي والأندية والحوانيت والمدارس والجامعات فإن السينما أكثر وقارا وأكثر أمنا من التليفزيون والراديو والمسرح.
إن آلاف المحطات الفضائية تعرض مختلف الأفلام بكل مستوياتها وعيوبها، ولكن السينما ستكون تحت رقابة وزارة الثقافة والإعلام، بمعنى أن دور السينما لن تعرض إلا الأفلام المرخصة رسميا من قبل وزارة الثقافة والإعلام التي لا شك أنها ستراعي تقاليد مجتمعنا الإسلامي المحترم.
لقد حان الوقت كي نفتح المجال لبدء صناعة سعودية للسينما المحترمة وحان الوقت أن نلغي قرارا كان مقبولا في وقت مضى وأصبح غير مقبول في الوقت الراهن، لأنه يفتقد المبررات الموضوعية لسريان مفعوله.
إن صرحا ثقافيا ضخما صرف على بنائه ملايين الريالات لا يصح أن تسكنه الغربان والبوم، ولا سيما أن هذه المنشأة إذا قامت بأداء واجبها الثقافي ستشجع الكثير لبناء معاهد وكليات لتخريج الكوادر المؤهلة وبناء دور للسينما في مدن سعودية أخرى تستقطب وتستوعب عددا كبيرا من العاملين السعوديين، بمعنى أن هذه المنشآت يمكن أن تسهم في امتصاص حالة البطالة التي يعيشها شبابنا ويمكن أن تسهم في زيادة الناتج الوطني.
وأود أن أؤكد أن للسينما السعودية تاريخ بدأ منذ 50 عاما، حينما أسس الفنان السعودي لطفي زيني استديو للتصوير السينمائي، ثم استطاع أن ينتج فيلما سينمائيا مع الفنانين المصريين ويشارك في التمثيل جنبا إلى جنب مع الفنان طلال مداح، وحاول لطفي زيني مع محمد عبده القيام بدور البطولة في أحد الأفلام السينمائية، ولكن محمد عبده لم يجد نفسه في السينما فاعتذر وما زال يسجل اعتذاراته عن تصوير أغانيه بالفيديو كليب.
ولو وجدت السينما السعودية من يرعاها منذ نصف قرن لأصبحت اليوم تقف بمقوماتها وصروحها جنبا إلى جنب مع صروح دول تعتبر السينما فيها من أهم مقومات حياتها الثقافية.
إن الاستسلام للممانعة في ذلك الوقت جعلنا ندفع الثمن الآن ونبدأ من الصفر. وكان المفروض أن نمضي في محاولة الإقناع بالسينما كما مضينا ونجحنا في محاولة الإقناع بافتتاح مدارس البنات ثم بناء الإذاعة والتليفزيون والمسرح وغير ذلك مما كانت تمنعه بعض الظنون، ولكن مع المحاولات المستمرة للإقناع .. استطعنا أن نجتاز العوائق ونصل إلى بناء أسراب مدارس البنات ونشر الإذاعات وبناء الفضائيات والمنتديات.
إن المحاولات الجادة التي يقوم بها الآن بعض المشتغلين بصناعة السينما السعودية تبعث فينا التفاؤل بقرب بزوغ فجر جديد للسينما السعودية، ففي تموز (يوليو) 2006 الماضي افتتح في مدينة جدة مهرجان العروض المرئية "السينمائية" في مركز جدة للعلوم والتكنولوجيا، ولقد سجل هذا المهرجان خطوة جيدة على طريق بناء اقتصاديات السينما السعودية، ونستطيع أن ننوه بأن الجهود المبذولة لبناء صروح السينما السعودية الحديثة إنما جاءت وفق معايير تتناسب مع أخلاقياتنا الإسلامية وتقاليدنا العربية. ولقد وضح ذلك في العمل الذي قدمه عبد الله العياف بعنوان "السينما 500 كم" وهو فيلم وثائقي عن رحلة شاب من الرياض إلى البحرين لمشاهدة السينما لأول مرة يطرح السؤال الأول "لماذا لا توجد صالات سينمائية في السعودية؟" وفيلم "تاكسي" لمشعل العنزي وفيه يستعرض عددا من الشخصيات الاجتماعية بهمومها ومشاكلها عبر سيارة التاكسي التي يستقلونها.
إن الكتابة عن هموم السينما السعودية تستدعي الإشارة إلى الجهود التي يبذلها المخرج عبد الله المحيسن الذي يعتبر من أبرز السينمائيين السعوديين وله فيلم باسم "ظلال الصمت" والفيلم من الأفلام الروائية السعودية التي لاقت مكانة عربية جيدة وبالذات حينما شارك به ـ باسم السينما السعودية ـ في العديد من المهرجانات الخليجية والعربية والعالمية كمهرجان القاهرة والإمارات ومهرجان روتردام الذي أقيم في هولندا هذا العام.
كما أن المخرجة هيفاء منصور استطاعت أن تقتحم المهرجانات الخليجية والعالمية بعدة أفلام ويأتي في مقدمتها فيلم "نساء بلا ظل" الذي عرض في بعض دور العرض العربية وأشاد به النقاد، كما أن محمد بايزيد أخرج فيلما باسم القطعة الأخيرة، أما الخطوة الجيدة التي ستحققها السينما السعودية فإنها تتمثل في الفيلم السينمائي، الذي ستنتجه "روتانا" باسم "كيف الحال" ويناقش الفيلم رفض جيل الشباب السوي لجيل المتطرفين في ظل السعي إلى دخول عصر العولمة مع الاحتفاظ بالقيم الإسلامية الراسخة.
بمعنى أن دور السينما السعودية سيكون دورا إيجابيا على طريق تحليل واقع المجتمع وتعديل السلوكيات وستكون السينما السعودية من أقوى وسائل الإعلام في علاج مشاكل المجتمع وبالذات مشكلة الإرهاب التي اصطادت فئة ضالة من الشباب، وأزعم أنه لو وجدت السينما السعودية لقامت بدورها الإيجابي في تصحيح سلوكيات هذه الفئة المغرر بها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي