رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


دعوة للكتابة في توثيق تجاربنا

فكرت كما يفكر الكثيرون أني وبعد أن تقاعدت أن علي واجب كبير وهو أن ابدأ في توثيق التجارب والأحداث التي مررت بها خلال تجربتي في العمل والحياة. وكذلك في التدريس والتدريب. ولكن تجربتي لوحدها لن تصنع التوثيق الذي آمل في أن نحققه ونراه. فبدون أن يكتب ويدون الآخرون لن تكون هناك مصداقية كاملة لما أدلو به، ولن يكون هناك ترابط واضح لمسرح الأحداث التي عايشتها حضارتنا. والكتابة عادة هي سر بناء الحضارات والتي تنحت لها مكانة رفيعة بين الحضارات الأخرى لتبقى خالدة مدى الدهر، ولتستفيد منها الأجيال المقبلة والحضارات الأخرى. ولتكون عامل ربط بجذورها التي أرساها أجدادنا لمن سيأتي بعدنا من أبنائنا. كما أنها أحد أسس التخطيط الحديثة والتي منها يمكن التنبوء بمسار الأمة ومحاولة تصحيحه.
ولتشابك الأحداث فإنني فكرت أن أدون سجلا لما اكتسبته من خبرة خلال العقود الماضية وما صاحبها من تجارب وسيرة لبعض المسؤولين المنتجين والمفيدين أو نقيضهم من التنابلة الذين تعاملت معهم في حياتي العملية ومدى إخلاصهم أو عكس ذلك بتغليب مصالحهم الشخصية على مصلحة الوطن. وذلك لمعرفتي أن ذلك أثر وإرث جيد سيعود بالخير على الأجيال المقبلة. ولأن الحياة ستنتهي بموتنا، إلا أن الكتابة ستبقى إلى الأبد. والهدف من ذلك هو لعل الجيل الجديد يرى في ذلك منهج للاستفادة من تلك التركة العظيمة، فيأخذ الصالح ويترك الطالح وهو كثير وألا يعاوده. وكان أكثر ما شدني إلى ذلك ما سمعته من تجربة لأحد أكبر مهندسينا وشاهدي عصر التجربة العمرانية لمدينة الرياض، وهو سعادة المهندس راسم شعث. وهو أول المهندسين السعوديين الذين تقلدوا مناصب قيادية خلال فترة حكم الملك فيصل وأمين مدينة الرياض حينذاك الشيخ عبد العزيز آل ثنيان، رحمهما الله، وبداية عصر التخطيط العمراني والمخطط الشامل لمدينة الرياض. وهو كنز من القصص للممارسات التي حدثت في وقت لم نكن جاهزين للتجربة سواء تأهيلا أو خبرةَ. ومثل ما كان هناك أناس أكفاء نزيهين، فإن هناك آخرين أقحموا أنفسهم فيما ليس لهم فيه علم، وإنما للحصول على مصالح مادية، أضاعوا بحماقة وغطرسة فرص تطويرية مهمة للبلد، فقط لأنها لا تتناسب مع غرورهم!
"نتحسف" ونندم كثير عندما يموت أحد أعيان الوطن الذين خدموا فترات طويلة بجدية وكفاح ونقوم بتمجيدهم فقط بعد موتهم، بينما لو كان هناك نوع من التدوين وسجل لأعمالهم لأمكن تكريمهم وهم أحياء ليكونوا عبرة ومثالا يحتذي به الآخرون ويتنافسون في تقليد ومحاكاة مثابرتهم وإبداعهم في سبيل خدمة الوطن وتدوين حضارته.
والكتابة في التوثيق مهمة للفترة السابقة يمكن الاستفادة منها في الأبحاث المستقبلية. وهي أساسية للتنبوء بتوجهات البلاد ومستقبلها. كما أنها نوع من التقدير لمن أفنى عمره وهو يعمل، سواء بصمت أو بخفية لخدمة الوطن. سنتعرف من خلالها أيضا على من كان يعبث وينهب ويرتشي أو من كان يعمل لوجه الله. وكتابة الأحداث توثق ذلك. وحتى الكتابة عن المعتوهين أو الفئات الضالة ستساعدنا في معرفة أسباب انحرافهم عن الطريق الصواب، ولماذا ومن غسل عقولهم؟!
وبذلك فإنني أدعو الجميع سواء قبل أو بعد التقاعد إلى أإن عليهم واجبا وطنيا للكتابة عما شهدوه. وألا يستهينوا بتجربتهم أو يقللوا من شأنها مهما صغرت فالتجارب يحرص عليها الجميع مهما كانت، حيث إنها أساس يرتكز عليها البحث العلمي لتطوير أساليب الإدارة والتنمية. ولا يستهان بمن يقومون بها فحتى المجرمين والإرهابيين والمرضى يستفاد من تجاربهم علميا ونفسيا، وكما نعرف فإن رجال الأمن عادة يفضلون القبض على المجرمين والإرهابيين وهم أحياء ليستطيعوا الحصول على الأدلة الجنائية ولدراسة أسباب الإرهاب ونفسيات ممارسيه.
ولإيماني بالمثل القائل "من خلف ما مات" فهل اكتفي فقط بحفظ هذه المعلومات والتجارب وألقنها لأبنائي ليستفيدوا منها في حياتهم؟ ولكن ماذا إذا كانوا صغارا على فهم التجربة، أو أنهم غير مؤهلين لحمل الرسالة بسبب وجود رؤية متغيرة وأهداف مختلفة لديهم؟ فهل اكتفي بالتدريس والتلقين؟ وهل سأجد من يبحث عن العلم كما كان يتم البحث عنه قبل سنوات طويلة مضت؟
الكتابة مهمة وتدوين الأحداث أهم وإن كنا أقل الناس حبا للقراءة، وأقل الدول كتابة لتجاربنا في الإدارة والحياة الاجتماعية والسياسية. فالساحة تخلو إلا من تجارب نادرة لبعض المسؤولين والتي لن نستطيع أن نحكم على صحتها دون أن تكون هناك إثباتات ممن عاشوا تلك الفترة. وتكاد تخلو مكتباتنا العامة أو الإلكترونية من تلك التجارب، وقد يكون السبب الحياء أو الاستهانة بتلك التجارب. بينما الواقع يؤكد أن تدوين تلك التجارب سيكون أثرا وكنزا ثمينا للأجيال المقبلة. وإن حضارة لا تدون ولا توثق لن يجرؤ التاريخ على حفظها. ويكفينا مثالا ما حفظه لنا الرواد الأوائل في الحضارة الإسلامية مثل ابن خلون وابن تيمية وغيرهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي