المساعدات الخارجية .. الحالة الخليجية
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
تشكل المساعدات الخارجية جزءاً مهماً من العلاقات الخارجية للدول اليوم سواء اقتصادية أو سياسية أو حتى إنسانية، إلا أن اللافت للنظر هو مدى حجم المساعدات الخارجية الخليجية ومدى المردود السياسي والاقتصادي لدول الخليج من هذه الذراع المهمة.
عدا بعض المساعدات الإنسانية الملحة والبسيطة, فإن المساعدات الخارجية تأتي ضمن حزمة الأدوات السياسية التي تخدم المصلحة الوطنية للدول المانحة حيث إن العلاقات بين الدول لا تعرف العواطف والثابت فيها هو المصالح والمتغير هو الألاعيب السياسية. لا يخفى على أي استراتيجي أو سياسي أن هناك فرقا شاسعا بين الاثنين.
تقدم دول الخليج ـ ولعل أكبرها في هذا الشأن المملكة ـ مساعدات سخية إلى الكثير من الدول الإسلامية والعربية. وتشكل هذه المساعدات نسبة عالية من الدخل القومي للدول المانحة ولعلها الأكبر عالمياً مقارنة مع الدول المتقدمة، فالمساعدات السعودية على سبيل المثال تزيد على 1 في المائة من الدخل القومي، بينما تجدها في أمريكا أقل وفي بريطانيا وفرنسا أقل من أمريكا. وقد فاخر السيد بلير حديثاً بأن المساعدات البريطانية لإعادة إعمار لبنان هي الرابعة عالمياً بعد المملكة والكويت وأمريكا متفادياً ذكر أن الرقم يقل عن 5 في المائة من مساعدات المملكة لهذا البلد المنكوب بينما حجم الاقتصاد البريطاني أكبر بكثير من حجم الاقتصاد السعودي.
كذلك يجدر بالذكر أن المساعدات الخارجية الغربية قلما تكون مالية بحتة فهي تكون في الغالب مساعدات طبية وغذائية وإنشائية لكي تشتري الدول المانحة هذه المواد من الشركات الوطنية بينما نحن يغلب الجانب النقدي على مساعداتنا وهذه لها جوانب سلبية في بعض الأحيان خاصة أن الكثير من هذه الدول تحكمها نخب متنفذة لذلك لديها تفضيل واضح للمساعدات النقدية على حساب المساعدات المادية المباشرة للمتضررين. لذلك فقد يخسر الداعم القيمة الإنسانية النبيلة في مساعدة الناس المحتاجين ولا يسلم من نقد المعارضين لهذه النخب.
لعل أفضل الأمثلة القريبة تاريخياً هو نجدة دول الخليج في التعهد بدفع 500 مليون دولار عدا المساعدات الإنسانية العاجلة من غذاء ودواء وخيام على أثر الزلزال الذي أصاب قرية إيرانية قبل نحو سنتين، فهذه قرية كل مساكنها من الطين كما شاهد الجميع على شاشات التلفزيون وإيران بلد غني بالموارد المالية ولديه تجربة في مثل هذه الكوارث، هذه القرية لا تستطيع استخدام 500 مليون دولار بل إن إيران سوف تستخدم هذه الموارد المالية لدعم اقتصادها دون مبرر ومعرفة من الدول المانحة.
كذلك تبرع دولة قطر بـ 500 مليون دولار لضحايا إعصار كاترينا في الولايات المتحدة، يا ترى هل هذه المساعدة إنسانية أو جزء من علاقة سياسية بين الأكبر والأصغر؟
يا ترى هل العاطفة والشاشة التلفزيونية غلبت على بُعد النظر والمصالح الوطنية العليا؟ خاصة أن الزائر إلى الكويت على سبيل المثال لا يرى البنية التحتية التي تنافس سنغافورة بينما المساعدات الكويتية تتدفق بكرم. فهل استبدل بعض دول الخليج الكرم بالمصالح الوطنية الأولية في بناء البنية التحتية؟ فمساعدات الدول الخارجية عدا الإنسانية من غذاء ودواء مهما تكن ظروفها تأتي في المرتبة الثانية بعد البناء الداخلي لكي لا يكون لها مردود عكسي.
المثال الآخر الحي هو لبنان، فالمجتمعات الخليجية تتألم وترغب وساهمت في مساعدة المواطن اللبناني إنسانياً واقتصادياً ولكن تقنين المساعدات وربطها بالأولويات الوطنية والمصالح السياسية بعيدة الأجل هو المقياس الصحيح فليس للعاطفة من مكان في مصالح الدول. لم تهدأ العاصفة السياسية وحتى العسكرية في لبنان وسوف تكون هناك مؤتمرات لاحقة لطلب المساعدات.
علينا التفكير بوضوح وذكاء خلاق لاستخدام المساعدات الخارجية لخدمة أهدافنا الوطنية، فالمساعدات تكون مؤثرة في استخدامها الأمثل وليس حجمها فقط.
لقد أثبتت تجارب دول الخليج في الحقبة السابقة على أثر حرب العراق – الكويت أن المساعدات الخليجية يشوبها الكثير من العيوب الاستراتيجية والفنية عسى أن تكون هذه الحقبة قد استفادت من التجارب السابقة في مضمار المساعدات الخارجية.