سلطان بن سلمان .. أسلوبه القيادي والتحدي الكبير
<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>
في مجتمعنا الذي يتلذذ بجلد الذات ولا يصدق إلا ما يشاع من سلبيات أو تضخيم لمشاكل لم تكن قد حدثت في الأساس، يغفل عن الإيجابيات ويحول الحديث عن شخصية عامة وذكر مناقبها إلى أنها مجاملة تصل إلى حد نعتها بالتملق أو المداهنة، لذا أود أن أوضح بداية أن حديثي عن شخصية وأسلوب الأمير سلطان بن سلمان القيادي نابع من قراءة تجربة المشروع الوطني للسياحة كأحد المحللين المحايدين الذين ليس لهم أي ارتباط شخصي أو مهني بسموه، إلا أنه أتيحت لي الفرصة للمشاركة في عدد من الاجتماعات الاستشارية التي تقام في الهيئة العليا، ما جعلني أطلع من كثب على ما يتم عمله داخل أروقة الهيئة وخارجها قد لا تكون واضحة مادية يلمسها الجميع، ولكن جوانب تتعلق بوضع الاستراتيجيات وتحديد المعايير وتهيئة المناخ الاجتماعي العام والتأسيس لعلاقات بين الفاعلين في الشأن السياحي. إنه الجانب غير المرئي الصعب من معادلة نجاح المشروع السياحي. وسبب صعوبته أنه يحتاج إلى بعد نظر وأفكار جديدة والربط بين المتغيرات واستشراف المستقبل والحفاظ على القيم والمكتسبات الوطنية، وفي الوقت ذاته تكوين علاقات ناجحة مع الشركاء في المشروع السياحي. وما يزيد من صعوبة المهمة أن عموم الناس لا يرون ولا يقدرون هذه الأنشطة ما يشكل ضغوطا على الهيئة بالتسريع في إنجاز مشروع مادي على الأرض وهو ما قد يتعارض مع الترتيب والتوقيت الزمني لكل مرحلة في الاستراتيجية السياحية.
ما أثار رغبتي في الكتابة عن الرجل أنه يتحمل العبء الأكبر في التأسيس لقطاع خدمي لا نملك فيه الخبرة ولا المعرفة ولا الموارد البشرية بل يرى البعض أنه ليس لدينا مقومات السياحة وأن الحديث عنها هو ضرب من ضروب الخيال والأماني التي يصعب تحقيقها إن لم يكن مستحيلا. إن اختياره العمل في قطاع خدمي لم يطرق من قبل يدل على قوة عزيمته ورغبته في إحداث تغيير اقتصادي/ اجتماعي يقوي الاقتصاد الوطني وينقل المجتمع إلى آفاق أرحب ويهيئ فرصا اقتصادية لم تطرق بعد. ما زلت أذكر نصيحة أسداها إليّ أحد أساتذتي في المرحلة الجامعية في جامعة إنديانا وهي ألا أعمل عند تخرجي في قطاع خدمي لأنه من الصعب معرفة الإنجاز!
وعند قراءة حديثه المستفيض المركز في الندوة الصحافية التي نظمتها جريدة "الاقتصادية" بتاريخ 19/8/2006، لا تملك إلا أن تقف متأملا فكره المستنير وعقليته الفذة وأسلوبه الأخاذ مع دقة المعلومة وحضور الذهن. حديثه المطول عن السياحة واستراتيجياتها ومشاريعها ينم عن متابعته كل صغيرة وكبيرة واهتمامه الشخصي بجميع الأمور، فهو استراتيجي من الطراز الأول ولكنه في الوقت ذاته عملي يهتم بأدق التفاصيل. إن أشد ما يلفت الانتباه قدرته على الاتصال وتوضيح الأفكار بسرد منطقي شائق حتى لا تكاد تمل سماع الرجل وهو يتحدث في مواضيع شتى تعكس سعة اطلاعه وحبه للتجربة ونهمه للمعرفة. ويبدو أن سعيه الحثيث في الإسهام في إحداث تغيير اجتماعي واقتصادي وإنجاز مشروع وطني كبير وسيطرة الهم العام على تفكيره واهتماماته جعله يرتقي مستويات عالية من الحكمة السياسية والنضج الإداري ويمتلك نظرة خاصة وفلسفة واضحة لما يجب عمله, وكيف؟ ومتى؟ وأين؟
إن حديثي عن الجوانب الشخصية لسمو رئيس الهيئة العليا للسياحة يأتي لسببين موضوعيين: الأول لأنه رائد السياحة السعودية والمسؤول الأول عن إنفاذ المشروع الوطني للسياحة, قد يكون من المطمئن أن يعرف الجميع قدرات وفكر من تصدى لمسؤولية إنشاء قطاع جديد من لا شيء, وأن نجاح هذا المشروع الوطني مرهون بقدرته وأسلوبه القيادي وفلسفته ورؤيته لما يجب عمله. أما السبب الآخر، فمن قبيل التعريف بقيادي متميز يقود أحد القطاعات الحيوية الناشئة التي تواجه تحديات كبيرة من كل حدب وصوب. ولا أحد يعلم ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه من حيث إنه يخوض غمار تجربة جديدة غير مألوفة اجتماعيا وقطاعا يحتاج إلى إعادة تثقيف اجتماعي, وصناعة تحتاج إلى الكثير من التحفيز والدعم. وهذا يعطيك تصورا عن شخصية الرجل في إقدامه وشجاعته ودافعيته العالية نحو الإنجاز وأنه يبحث عن الصعب ويقبل التحدي وأن يكون في قلب الأحداث لا على هامشها. وفي الوقت ذاته قوة إصراره وعزيمته على المضي قدما في نهج قد يراه البعض شاقا وطويلا يصل إلى حد المراهنة على مساريه الوظيفي والمهني ومع ذلك يؤمن بأن المسؤول يجب أن يعمل ما يجب عمله وأنه لا يصح إلا الصحيح فلا يلتفت إلى من يريدون أن يستعجلوا الأمور لتحقيق نجاحات شكلية آنية أو على حد التعبير الإنجليزي Hit and run، ولذا كان همة التأسيس لقطاع السياحة على أرضية صلبة ينطلق بعدها إلى آفاق أرحب وأوسع بخطى ثابتة ورؤية ثاقبة. لم يكن همه تحقيق نجاحات ظاهرة صغيرة وتضخيم إعلامي تكون فيه الصورة أكبر من الإطار. تطلعاته كانت للمدى الطويل واستراتيجية واضحة المعالم تنسق الجهود وتدفع نحو العمل المشترك بين جميع الفاعلين في صناعة السياحة. وفي مجتمع تنتهج فيه أكثر المؤسسات إدارة الأزمات وتفتقر إلى التخطيط والتفكير المستقبلي والوعي التام لما يجب تحقيقه, يصعب استيعاب استغراق الهيئة وقتا طويلا في وضع التصورات والرؤى المستقبلية. وأعلم جيدا أن الهيئة بدأت مرحلة التنفيذ وتطبيق استراتيجياتها والعمل متسارع لأن الطريق ممهد والرؤية واضحة. ولأن الرجل الأول في الهيئة مهني محترف حتى النخاع فإنه يعمل بصمت ولا يهتم بظهوره الإعلامي ولا الإعلان عن الإنجازات المرحلية التي تمت ما جعل الكثيرين لا يدركون ما تم تحقيقه. وهي إنجازات بلا شك مضنية من حيث إنها تضع الأطر والإرشادات العامة والخريطة السياحية لضمان السير في الاتجاه الصحيح, لأنه ليس من المهم فقط الوصول في التوقيت المناسب ولكن إلى المكان المناسب. إنه مؤشر البوصلة نحو الاتجاه الصحيح (الاستراتيجية) ما يسير العمل وليس عقارب الساعة. في كثير من الأحيان تسيطر علينا فكرة أن إنهاء العمل بكفاءة هو الإنجاز الحقيقي, فترى العاملين يلهثون ويجدون ويجتهدون ولكن للهدف الخطأ أو دون وعي منهم لماذا يعملون ما يعملون! ومع هذا ينعتون بالنشاط والأداء المتميز! إن الأداء المتميز مرتبط بالفاعلية وليس بالكفاءة. والفاعلية تعني ليس فقط إلى أي مدى تم تحقيق الهدف, وهذا مهم, ولكن الأهم: هل الهدف في الأساس هو المطلوب تحقيقه؟
من هنا كان أن عرضت بشيء من التفصيل لأسلوب وفكر الأمير سلطان بن سلمان كعنصر تغيير فاعل في المجتمع ارتبط اسمه بالسياحة السعودية، يسعى إلى تحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية وليس أهدافا آنية وظهورا واستهلاكا إعلاميا أو مصلحة شخصية. وهي أيضا دعوة للجميع إلى مؤازرة ومساندة سموه في إنجاح المشروع السياحي لأنه مشروع وطني أولا، ولأن السياحة صناعة مجتمعية تتطلب تضافر الجهود من الجميع دون استثناء، بل إن نجاح القطاع السياحي مرهون بقناعة جميع أفراد ومكونات المجتمع على أنه مصدر دخل يستفيد منه الجميع ويسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويعالج القضايا المهمة مثل البطالة والفقر وتحسين مستوى المعيشة. الأيام المقبلة, كما جاء في تصريح سموه, ستشهد تنفيذ عدد من المشاريع وتطبيق تشريعات وأنظمة ترتقي بالعمل السياحي. أتمنى أن يكون التركيز مقتصرا على مناطق الشرقية, مكة, المدينة, وعسير من حيث المشاريع الفوقية والتحتية والدعم المالي والتنظيمي, أما فيما يتعلق بالتشريعات الخاصة بالنقل وخدمات الطرق والضيافة فيلزم تطبيقها على وجه السرعة في جميع المناطق.