سهم "إعمار" والسوق التي ترتجف
<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>
من الصعوبة أن نتحدث عن الأسباب التي أدت إلى انهيار سوق الأسهم في شباط (فبراير) الماضي دون دراسة ذات منهجية مقبولة. ولكن حتى تصدر مثل تلك الدراسات, إن كان هناك من يدرسها الآن، فإن المجال مفتوح لبعض الفرضيات وما زال هناك العديد من الدروس المستفادة من تلك الكارثة. فعلى رغم النظرية التي تقضي بأن مؤشر وحالة سوق الأسهم بشكل عام إنما هي انعكاس لوضع وحالة النشاط الاقتصادي في البلد وتناميه، إلا أن الارتفاعات المتواصلة التي حققها مؤشر السوق قبل شباط (فبراير) من هذا العام كانت مخيفة على وجه استثنائي. فقد استطاع المؤشر أن يجمع آلاف النقاط دون أن يهتز أو يتكئ على بعض تلك النقاط كي يلتقط الأنفاس. لذلك كان من المتوقع أن تستجيب السوق لقوى البيع في لحظة معينة وإذا ما صاحبها أحداث أو ظروف خاصة فقد يكون التصحيح عنيفا كما أشار بذلك العديد من المحللين، لكن أحدا لم يتوقع الانهيار على الأقل في هذه المرحلة من مراحل الاقتصاد السعودي.
الكوارث لا تحدث بسبب عامل واحد فقط بل مجموعة من الأحداث والظروف والحالات النفسية التي تتفاعل معا لتشكل الكارثة، من هنا أشار العديد من أصحاب الرأي الاقتصادي إلى أن عدم الوعي والانجراف وراء الشائعات وإهمال أسس التحليل المعتمدة تعد الأسباب الرئيسية للانهيار، إضافة إلى دور القشة الذي لعبته قرارات الهيئة بشأن عدد من المضاربين وتخفيض نسب التذبذب. وعلى الرغم من تعدد الآراء والتفسيرات إلا أن أحدا ـ فيما أعرف - لم يشر إلى الدور الذي لعبه سهم "ينساب" في ذلك الانهيار. لقد كان طرح شركة ينساب طرحا كبيرا بمقاييس السوق السعودية فعلا، وقد شارك الملايين من أفراد الشعب السعودي في ذلك الاكتتاب أملا في الحصول على عدد من الأسهم ومن ثم بيعها بأسعار تفوق سعر الاكتتاب بعشرة أمثاله والخروج بغنيمة حقيقية من النضال في سوق الأسهم وأمام أبواب البنوك. لم يناقش أحد قوة نظام تداول قبل إدراج سهم "ينساب" وقدرته على الاستجابة لضغوط البيع والتي تمت معظمها بأوامر سوق، ومن المعروف أن تنفيذ أوامر البيع من نوع " أمر سوق" يحتاج إلى عمليات إلكترونية معقدة ينفذها النظام كي يحدد أسعار البيع لكل صفقة على حدة. فإذا أضفت إلى تعقيدات تنفيذ الأوامر ضخامة الأعداد والكميات التي يراد تنفيذها إضافة إلى الحالة المتوهجة للسوق والتي كانت تصل إلى أكثر من 40 مليارا من التداولات اليومية فليس من المستغرب أن يفشل النظام أكثر من مرة ويتسبب في إرباك السوق وخاصة في الأسبوع الذي سبق الانهيار حيث تعطل النظام مرتين كما أعلنت هيئة السوق ولا نعرف إن كان تعطل غيرها ولم نحط بذلك خبرا. المشكلة أن تعطل النظام لم يظهر على الشاشات إلا على شكل أوامر بيع لم يقابلها أوامر شراء، فإذا كنا نتحدث عن فترة من التوتر والشائعات والقلق من تصحيح قوي فقد فسر التعطل على إنه التصحيح المنتظر. لذلك، وفي ظل الجو المتوتر وتحت ضغوط بيع "ينساب"، لم تمهل السوق هيئتها كثيرا للتعامل مع أخطاء النظام واستجابت للتشاؤم أكثر من اللازم بل أكثر من المتوقع وأكثر من قدرة المحافظ الكبيرة على العودة بالسوق فاختنق الجميع عند أبوابها ومات الصغار تحت أقدام الكبار الهاربين أو في أسر البنوك الجائعة.
ما من شك أن التجربة كانت عنيفة للجميع وخاصة لأولئك الذين لم يستوعبوا معنى المخاطر في سوق الأسهم والعلاقة الأبدية بين العائد وحجم المخاطر، وإذا كنا نشهد الآن عودة متفائلة للعديد من الأسهم فإن الغيوم تتلبد الآن في سماء السوق مع إطلالة سهم "إعمار".
شركة إعمار السعودية والتي انتهت من تخصيص أسهمها قبل عدة أيام تعد من نفس حجم شركة ينساب، فقد تجاوز عدد المكتتبين أكثر من عشرة ملايين مكتتب من خلال أكثر من مليوني محفظة. ومع التكهنات المبالغ فيها حول سعر تداول السهم عند إدراجه، والتي لا تقوم معظمها على سند علمي أو منطقي مقبول، فإنه من المتوقع أن تشهد السوق تداولات كبيرة جدا على ذلك السهم أسوة بالتي حصلت عند تداول سهم "ينساب" وسوف يواجه "نظام تداول" كميات ضخمة جدا من أوامر البيع من نوع "أمر سوق". وإذا كانت السوق لم تفق بعد من صدمة انهيار شباط (فبراير) وما زالت تترنح تحت أبسط ضغوط البيع فإن أي خلل قد يصيب النظام من جراء إدراج سهم "إعمار" وتداولاته قد يفسر أنه انهيار جديد ويقودنا بذلك إلى مستويات مرعبة حقا.
والآن هل الهيئة و البنوك على استعداد تام لمثل هذه الموجه الهائلة من التداولات وآثارها المتوقعة؟ لقد اتجهت هيئة السوق إلى تطوير النظام وقدمت توقيع العقد في محفل عظيم مهيب إعلانا منها لأهمية الحدث ونتائجه المرجوة وفي ذلك اعتراف ضمني بالمشاكل التي يواجهها النظام الحالي. لم أطلع على موعد تدشين النظام الجديد لكن من المؤكد أن إدراج سهم "إعمار" سيكون وفقا للنظام الحالي مع مشاكله وإخفاقاته، فهل من برنامج عمل لمواجهة التداولات المتوقعة والضغوط التي سيواجهها نظام تداول؟ هل قامت الهيئة بالتنسيق مع الصناديق الاستثمارية ـ وخاصة الحكومية منها - لامتصاص أية آثار لاختلال العرض والطلب على بقية الأسهم المتداولة في السوق. في تجربة "ينساب" تسابقت البنوك على تنفيذ الأوامر دون تنسيق أو اتباع لقرارات الهيئة فهل من عقوبات رادعة لمثل تلك التصرفات إن تكررت. هل هناك مشروع توعوي لإرشاد الناس إلى أهمية توقيت عملية البيع وطرقها المناسبة؟ وحتى يدرج سهم "إعمار" فإن لكل حادث حديثا.