مستقبل أسعار النفط بين نظريتين: أسعار عالية أم منخفضة؟
<a href="mailto:[email protected]">a@aalhajji.com</a>
الحلقةالثالثة
3. استمرار النمو الاقتصادي في الصين والهند ودول الاقتصادات الناشئة.
يعزو عدد من الخبراء الارتفاع الكبير في أسعار النفط في عام 2004 إلى النمو الاقتصادي الكبير في الصين والهند والدول الناشئة. نتيجة للارتباط الكبير بين النمو الاقتصادي في هذه الدول واستهلاك الطاقة، نما الطلب على النفط بشكل كبير لدرجة أن استهلاك النفط في الصين تضاعف خلال السنوات العشر الأخيرة.
يوضح الشكل البياني رقم (3) اتجاهات استهلاك النفط في كل من الصين والهند منذ عام 1970 وحتى وقتنا الحالي. كما يبين أن نمو الطلب على النفط في الصين بلغ مستوى قياسياً (17 في المائة) في عام 2004. و يأتي هذا النمو فوق الزيادة التي بلغت 10 في المائة في عام 2003. يبين الشكل أيضاً الزيادة في معدلات الطلب على النفط في الهند منذ بداية التسعينيات عندما بدأت عمليات الإصلاح الاقتصادي.
البيانات بين نظريتين
يعتقد مؤيدو نظرية التغيرات الهيكلية أن النمو الاقتصادي الكبير والمستمر في الصين والهند رفع الطلب على النفط إلى مستويات لن تمكن الدول المنتجة من مقابلته، الأمر الذي يعني تغيرا هيكليا في أسواق النفط يمنع أسعار النفط من الهبوط إلى ما كانت عليه قبل عام 2004.
يعتقد الاقتصاديون بأن النمو الاقتصادي في كل من الصين والهند سيستمر، وبناء على ذلك يتوقع خبراء الطاقة أن يستمر الطلب على النفط في هذين البلدين بالنمو. و يستدل هؤلاء بتضاعف عدد السيارات في كلا البلدين خلال 15 سنة الأخيرة، والازدياد المستمر في مبيعات السيارات. كما يستدلون بانتشار الكهرباء بشكل سريع وامتدادها إلى المناطق الريفية، وبكميات الاستثمارات الأجنبية الهائلة التي تدخل كلا من البلدين سنوياً. و بما أن زيادة عدد السيارات وانتشار الكهرباء و المصانع يعتبر تغيراً دائماً، فإن نتيجة ذلك تغير هيكلي في الطلب على النفط يضمن بقاء الأسعار في مستويات مرتفعة. ويشير بعضهم إلى احتمال صراع على منابع النفط العالمية بين الصين والهند، وبين الصين والولايات المتحدة. وسيؤدي هذا الصراع إلى تأزم الوضع الدولي و استمرار أسعار النفط بالارتفاع.
الرأي الآخر
يرى مؤيدونظرية التغيرات الدورية أن ما نشاهده من نمو كبير في الطلب على النفط في الصين والهند حصل سابقاً في بلاد عدة، فأدى إلى أزمة طاقة، ولكن الأزمة انفرجت فيما بعد. فالأزمة النفطية في بداية السبعينيات كان سببها الرئيس نمو الطلب على النفط في الولايات المتحدة في نهاية الستينيات وبداية السبيعينيات بمقدار 7 في المائة، وهي نسبة نمو الطلب نفسها على النفط في الصين حالياً. تشير البيانات إلى أن استهلاك الطاقة بشكل عام، والنفط بشكل خاص، ينمو على مر الزمن على شكل منحنى تتباطئ فيه الزيادة كلما صعدنا إلى الأعلى. فقد ازداد نمو طلب الدول الصناعية على الطاقة أثناء فترات التحول الرئيسة بشكل كبير، وعندما وصلت هذه الدول إلى مرحلة الاستقرار الاقتصادي، انخفض النمو في الطلب على الطاقة إلى معدلات شبه ثابتة. والصين والهند تمران بالمرحلة نفسها، الأمر الذي يحتم انخفاض معدلات النمو في الطلب على النفط ثم ثباتها. إن وصول الصين والهند إلى تلك المرحلة يعني، حتى مع استمرار الظروف الحالية، انخفاض مستوى التأزم في أسواق النفط العالمية وانخفاض أسعار النفط.
يحتج أصحاب نظرية التغيرات الدورية بأن الشكل البياني رقم (3) يشير إلى انخفاض النمو في الاستهلاك في الصين من 17 في المائة في عام 2004 إلى 3 في المائة في عام 2005 و 5 في المائة في عام 2006. كما يشيرون إلى انخفاض استهلاك النفط في الهند في عام 2005 بأكثر من 3 في المائة. هل هذا الانخفاض هو نتيجة وصول منحنى الاستهلاك إلى مستويات مستقرة أم أنه ردة فعل لارتفاع أسعار النفط؟ مهما كان الجواب فإنه يناقض مايقوله مؤيدو نظرية التغيرات الهيكلية من أن التغيرات الهيكلية ستحافظ على أسعار النفط المرتفعة. فإذا وصل منحنى الاستهلاك إلى مستويات مستقرة، فإن توقعات النمو الكبيرة غير صحيحة، وهذا سيمكن الدول المنتجة من مقابلة الطلب على النفط. أما إذا لم يصل نمو استهلاك النفط إلى مستويات مستقرة و مازال أمام البلدين سنوات طويلة للوصول إلى هذا المستوى، فإن البيانات في الشكل البياني رقم (3) توضح أن ارتفاع أسعار النفط الأخير أدى إلى انخفاض نمو استهلاك النفط في الصين، وانخفاض الاستهلاك في الهند. هذا الانخفاض سيضغط على أسعار النفط ويخفضها.
يعتقد أصحاب نظرية التغيرات الدورية أن هناك مبالغة في تقديرات نمو الطلب على النفط في الصين و الهند، خاصة أن هناك محددات طبيعية وفنية واقتصادية للنمو الاقتصادي. إن الدرس الكبير من تجربة الدول المتقدمة أثناء أهم فترات التحول في تاريخها هو أن البنية التحتية تنمو بمعدلات أبطأ بكثير من معدلات النمو الاقتصادي والزيادة في الدخل، الأمر الذي يحد من نمو عدد السيارات والمصانع وغيرها.
يعتبر بعض الخبراء إن معدلات النمو في الطلب على النفط في عامي 2003 و 2004 حالة خاصة في تاريخ الصين بسبب نقص الكهرباء من جهة، وانتقال شركات عالمية كبيرة للصين من جهة أخرى. نقص الكهرباء، التي تولد من الفحم، أجبر أصحاب المصانع المرتبطين بعقود عالمية على شراء واستخدام مولدات كهربائية تعمل بالديزل، الأمر الذي أسهم في زيادة الطلب على النفط. لكن استخدام هذه المولدات انخفض بشكل كبير فيما بعد بسبب ارتفاع أسعار النفط ثم انفراج أزمة الكهرباء تدريجياً.
أسهم انتقال الشركات الأجنبية إلى الصين في تحويل الطلب على النفط من بلدها الأم إلى الصين، الأمر الذي أعطى انطباعاً خاطئاً بأن كل الزيادة في الطلب على النفط في عامي 2003 و 2004 هي زيادة إضافيه على الطلب العالمي على النفط مع أن جزءا منه هو "طلب محول". واكتسب هذا الطلب أهمية خاصة لأن أغلب هذه الشركات مصنعة للإلكترونيات، و التي تعتبر من الصناعات كثيفة الطاقة.
يشير مؤيدو نظرية التغيرات الدورية إلى أن الصين نجحت خلال العامين الماضيين في إحلال الفحم محل النفط المستورد، والذي سيستمر خلال السنوات القادمة، الأمر الذي سيحد من نمو الطلب الصيني على النفط. كما يؤكدون حقيقة مهمة وهي أنه ليست هذه المرة الأولى التي ينمو فيها الطلب على النفط في كل من الصين والهند بهذا الشكل. ففي النصف الأول من السبعينيات، أثناء الأزمة النفطية الأولى، نما الطلب على النفط في الصين بمتوسط قدره 19.7 في المائة. لقد كانت كل هذه التغيرات هيكلية في ذلك الوقت، ولكن الأمور تغيرت "هيكليا" فيما بعد حيث انخفض الاستهلاك، وانخفضت أسعار النفط، وارتفعت الطاقة الإنتاجية الفائضة بأكثر من 400 في المائة! إن لكل تغير هيكلي ردة فعل معاكسة تتمثل في تغير هيكلي في الاتجاه الآخر، الأمر الذي يجعل التغير في النهاية.. دورياً.