بشار الأسد .. طبيبا أم زعيما؟
<a href="mailto:[email protected]">najeeb@sahara.com</a>
.. السؤال الذي يطرحه ذهني علي منذ مدة، وقبل الخطاب التاريخي لبشار الأسد قبل أيام، هل العالم أفضل بوجود بشار الأسد طبيبا، أم زعيما؟ وكل ما نرجوه ألا يكون العالم العربي قد خسره طبيبا، ولم يكسبه زعيما. لنـَرَ!
بشار الأسد الابن الثاني للزعيم حافظ الأسد، الذي عاش حياة عريضة جدا في بلده وحتى بين الزعماء العرب، وسيثبت التاريخ قريبا وليس بعيدا إن كان تاريخه بذات الاتساع أم أقل؟ والتاريخ يحكم بصراحة مضرية لأن طبول المديح والتفخيم والتعظيم ورفع الزعيم إلى المعراج الأول في السماء، سرعان ما يعود غبارا.. مجرد غبار حالما يوسـَّد الغبار. ويبقى الناس الكبار في مقصورات التاريخ المطهمة، الناس الذين لم يترفعوا عن الغبار، بل تنشقوه مع ناسهم وشعبهم بالتمام والسواء غبارة غبارة، وحبة تراب وراء حبة تراب، وجرعة حظ أو خيبة وراء جرعات.
من يذاكر التاريخ السوري القريب يعلم أن "باسل" الشقيق الأكبر الراحل كان هو المنغمس في السياسة وتعاطي الأعمال بجانب والده – وعمه آنذاك رفعت- وكان صاحب شخصية مفعمة بالعنفوان، فائرة بالطموح، وكان يُعـَدّ له بناء سيساي مشيد تحت الأنظار، وعلى طريقة الجمهوريات المنتشرة في أصقاع العالم التي تحكمها أسر قاومت الملكية ثم صارت مع الزمن أكثر ملكية، بل وبوجود مبرر – مهما كان حجم إقناعه - للنظم الملكية بالملك، إلا أن الثوار الجمهوريين في العالم الثالث جاءوا وهدفهم الأول القضاء على الملكية الظالمة الرجعية – كما ترتفع الشعارات - ثم لا تمر إلا لحظات صغيرة من الزمن وإذا هدفهم الأول هو أن يبقوا ملوكا أكثر من الملوك.. بلا أي مبرر، ولا صدق.. نقول يبقى الهدف الأول، ويبقى الهدف الأخير!
على أن الأقدار لا يصنعها الرؤساء ولا الملوك ( ونحن تأدبا واحتراما لا نقول أشباه الملوك) وإنما يصنعها مليك الكون الذي لا شريك له.. خالق الملوك. شاءت قدرة الله أن يقتل الشاب الذي كان يملأ السمع والبصر والشوارع والميادين وتطرز صوره بجانب صور أبيه كل جدران الجمهورية السورية بحادث سيارة رياضية فارهة.. وهل هم السوريون الذين يقولون إن هناك اثنين لا يأخذان موعدا أبدا لمجيئهما.. الحب والموت؟ ربما.
لما شغر مكان الابن الوريث لم يكن بشار في الدائرة حتى الآن ولم يكن قبل. وكنا نظن للوهلة أن بشارا الابن الآخر للزعيم السوري كان من متنسكي العلم، ومن العازفين عن حلبات السياسة، وصراع القوى، وقسوة وجفاف المنصب السياسي .. فاعتكف محقا وحكيما لدراسة الطب في عاصمة الضباب .. لندن. عله أننا لم نكن نحسب، ولم يقدِّر أحد، أن الضباب حول شخصية الشاب طالب الطب.. كانت ملفوفة بحجاب غليظ من الضباب. لم يتقشع الضباب إلا مع شمس سورية. وكان تحت الضباب مفاجأة المفاجآت؟ هل كانت المفاجأة سارة؟ لن نقول الآن.
المهم، أن الشاب بعد مداولات كثيرة عقب أبيه في نظام يسدل ستارا من حديد بل من ذلك الرصاص الذي كانت تصوره قصص سوبرمان المصورة بأنه يملك أشعة نظر كونية خارقة تمر من خلال أي مادة أو حجاب على الأرض.. إلا الرصاص. وكان المكتب السوري الرسمي سيدا من أسياد السرية في العالم. فجأة ظهر أن بشارا سيكون سيد القصر الواقع في حي المهاجرين الراقي في الشام. وكنا نخاف على بشار وقتها، ويفرح من أجل سورية.
خفنا على بشار أن يتعرض هذا الشاب المتخرج حديثا في طب الأسنان في لندن بعقله العلمي، وانضباطه الأكاديمي، وحياته الممتهنة مع البشر ومن أجل الشر، بأخلاق الطبيب الذي أقسم قسم الأطباء التليد، والذي عاش في الجو المفتوح الذي لا يعرف الأسرار، بل تعتاش الميديا فيه على بضاعة فك الإسار، في وسط وعين وقلب بريطانيا منبع الديمقراطنية وأصل أم دساتير الدنيا "الماجنا كارتا"، سيتعرض لهزة قوية عندما يصطدم شعوره وعقله وضميره ومهنيته ومبادئه مع الواقع السياسي في سورية.. وفرحنا من أجل سورية لأن الشاب سيأتي ومعه زمن جديد، زمن الشباب، زمن الانفتاح، والاتصالات، والمعلومات، والتجارة الدولية، وستتغير سورية إلى ألأفضل، لأن سورية وشعب سورية كنز من كنوز الدنيا – فعلا - ولكن الكنوز لا تستفيد منها الأمم متى بقيت مطمورة ومحروسة وممنوعة ومحاسبة وسدت أمامها كل المسالك، وحرقت كل الخرائط.. الذي صار عكس التوقع. ظهر زعيم صلب جديد تابع الصلابة القديمة وكأنه ورثها بجيناته، وبقيت سورية تتأرجح بين عهد قديم لم تتطور فيه، وعهد جديد جاء من التطور ولم يحضره معه!
إلا أن خطابه الأخير كان مفرقا مهما..
أنا لا يعنيني هنا أن أفند تهم بشار فهي كلام يقوله أي أحد متى ما أراد، متى كان الكلام لا وزن له ولا مسؤولية، بل كنت قد أخذت على سعد الحريري الديبلوماسي الذي دخل عالم الاحتراف أن ينزل لمستوى الرد والهجوم وكأن على رأسه بطحه، كنت أود أن شرب أكثر من حكمة أبيه فقد كان عقله يزن بلدا، بلد أثقل من لبنان.. أو أن يردد جمهوره الشعار الذي أيضا بوزن الهواء: "نفديك بالروح يا سعد".. بضاعة مضحكة لزمن مضحك، ولكنه كان ولا يزال مؤلما. نعود لبشار فنقول إن خطابه الأخير كله أخطاء لا يقع فيها إلا عقل مغموسة خلاياه بتخديرات العظمة والتفخم والارتكاز حول الذات التي خرجت عن حجمها، والطب له تعريف لكل نسيج يزيد حجمه عن طبيعته.. أنه الخطأ؟
إن العجرفة واتهام الناس بالجبن وأنهم نصف رجال، ليست من لغة الحكماء، أولئك الناس الذين قلنا إنهم سيكونون في مقصورات التاريخ، إنما من صفات الذين ينسون أن جزئياتنا من غبار وأننا متشابهون فيخرجون عن طورها فتتلقفهم اللحظة ، وينساهم التاريخ. لقد رمى بشار الناس بالجبن والخنوع والقبول بالاحتلال الإسرائيلي وكان الأجدر ألا يقول ذلك وبيته من زجاج جزؤه الجميل مع اليهود، وهم يرون هذا الجزء من النفائس، ولا يبدو أن الأسد يرى هذه النفاسة .. وإلا لشن الحرب التي يعجز عنها القاعدون عن الدفاع.. ثم إنه سحب بساط انتصار حزب الله، ليريدنا أن نفهم أنه وراء الانتصار.. فلم لم ينفع سورية، ولم ينفع لبنان، ولم ينفع حزب الله.. ومن لا يعرفون التاريخ.. لا يجيدون التوقيت أيضا.
الأكيد أننا خسرنا في بشار الطبيب.. هل خسرنا صفة أخرى؟
يالله، نحن من نورِّد دون العالمين أكبر الخسائر!