الحروب الاقتصادية ضد العرب.. لبنان نموذجاً (2من2)
<a href="mailto:[email protected]">dr_saaty@yahoo.com</a>
في سياق الرد على الزميلين محمد دياب وعبد الله أبو السمح الذي بدأناه في الأسبوع الماضي، فإنني أرجوهما أن يجلا النظر في مجموعة الحروب الكثيفة التي شنتها إسرائيل على لبنان، لأن الرجوع إلى هذه الحروب يؤكد أن الهدف الأساسي من هذه الحروب هو تدمير البنية الأساسية للاقتصاد اللبناني الذي ظل ـ في كل مراحل العصر الحديث ـ يشكل تحدياً حقيقياً للاقتصاد الإسرائيلي.
إن التاريخ القديم والحديث صمم العلاقة بين الغرب والإسلام طوال أكثر من ألف وخمسمائة عام ولا يمكن أن تختزل هذه العلاقة في التنازل عن قطعة أرض ثم تنتهي كل المسائل الضاربة في أحداث ألف وخمسمائة عام، وفي حروب صليبية بدأت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، تلك الحروب التي حفرت في الخلفية الإسلامية والمسيحية الغربية والأوروبية آثاراً غائرة من العداوة والكراهية مازالت ولا تزال تشكل حتى الآن العلاقة الحقيقية بين العرب والغرب.
ثم جاءت موجة المواجهة التالية حين بدأ عصر الكشوف الجغرافية الكبرى مشفوعاً بالسيطرة الاستعمارية من جانب الإمبراطوريات الأوروبية العظمى آنذاك، خصوصاً البرتغالية والإسبانية والهولندية والبريطانية والفرنسية، ويومها سلمنا الغرب كل أراضينا ومواردنا ولم نتنازل فقط عن قطعة أرض، ولكن الغرب أحكم سيطرته على معظم أرجاء العالم العربي الإسلامي، تلك السيطرة التي استنفدت الموارد وامتهنت الكرامة الوطنية مثلما أهدرت ـ عن قصد ـ مصادر الاعتزاز الديني والقومي لشعوب ظلت تحمل في أعماقها كل مخزون الكراهية لمغتصبيها وقاهريها.
أما الجولة الأخرى من المواجهة فقد تمثلت عملياً في ذلك الصراع الذي نشب بين دولة الخلافة العثمانية وبين الإمبراطوريات الأوروبية الحديثة.
وحين بلغت الإمبراطورية العثمانية قمة اتساعها بدأت الدول الأوروبية تعمل على حصارها حتى أجبرتها على التراجع والانكماش مرحلة بعد مرحلة حتى وصلت خط النهاية إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، التي كان من نتائجها توزيع تركة الرجل المريض.
لقد استقر في الوجدان الشعبي والرأي العام العربي والإسلامي أن ما جرى هو سبب ونتيجة من أسباب ونتائج المجابهة الدينية بين الإسلام وحضارته الشرقية وبين المسيحية وحضارتها الغربية، تلك التي جاءت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لتقهر الحضارة الإسلامية ولتنجح فيما فشلت في تحقيقه من قبل عبر الحروب الصليبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر.
وفي العصر الحديث تمثلت المواجهة في سقوط معظم الدول العربية والإسلامية تحت السيطرة الاستعمارية للدول الأوروبية المنتصرة أولاً منذ الحروب والكشوف الاستعمارية، والمنتصرة ثانية في الحرب العالمية الأولى التي أثمرت تقسيماً للمنطقة بين بريطانيا وفرنسا بحكم اتفاق (سايس بيكو) الشهير، ومن ثم نشوء الأزمة الفلسطينية وصراعها الحاد مع الصهيونية وسقوط القدس بكل ما تحمله من قداسة لدى المسلمين باعتبارها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في يد إسرائيل الدولة الدينية المغتصبة والمدعومة دائماً من الغرب الأوروبي الأمريكي، وهو ما يفسره العرب والمسلمون بأنه صراع ديني بين الإسلام من ناحية والمسيحية واليهودية من ناحية أخرى.
إن جزءاً مهما من مشروعية كفاح الشعوب يأتي من خلال تنفيذ قدر كبير من برامج التنمية الشاملة، ولكن تنفيذ أكبر قدر من برامج ومشاريع التنمية لا يتم إلا ببناء القوة الذاتية للدول وشعوبها بناءً اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً.
والدول التي لا تبني اقتصادها ولا تتبنى خطط دفاعاتها العسكرية هي دول قرينة التخلف. لذلك فإن فريضة الجهاد والدفاع عن النفس تحتل مساحة كبيرة في تعاليم ديننا الحنيف. إن ديننا الواعي الذي يدرك تدابير الغرب هو الذي فرض الجهاد علينا ولم يفرض علينا الخنوع والتسليم، لأن الخنوع والتسليم هو قرين التخلف والضعف.
دعونا نبسط الأمور، أكثر ماذا فعلت أمريكا في العراق حينما غزت هذا البلد العربي المسلم وتسلمت كل أراضيه وموارده واستخدمت شعارات نشر الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان وتحقيق العدالة وإشاعة التنمية الوارفة في كل ربوعه؟
الذي حدث هو مزيد من القهر ومزيد من القتل والحرب والدمار وإقامة السجون وممارسة أشنع أنواع التعذيب الذي يتنافى مع أبسط قواعد حقوق الإنسان، لقد تسلم بعض العراقيين السلطة وسلموا بكل إملاءات أمريكا والسؤال ما مستقبل العراق بعد أن سلم نفسه وأرضه ومقدراته للغرب؟
النتيجة واضحة على الأرض أن العراق في طريقه إلى ثلاث دول مفككة سوف تتصارع إلى الأبد لحساب دولة إسرائيل.
إن نتائج التسليم والتوقيع على اتفاقيات وهمية للسلام سوف تسلم بلاد العرب كلها إلى دولة إسرائيل وهذا الهدف لم يعد سرياً، بل هو هدف معلن ولا يحتاج إلى دليل. إنني أرجو من الزميلين العزيزين أن يعودا إلى قراءة التاريخ وأن يدرسوا استراتيجيات الغرب في المنطقة، لأنهما إذا قرآ ودرسا سوف يدركان أن الأمور ليست بالتبسيط الذي قالا به وأن المسألة بيننا وبين الغرب لن تنتهي بالتنازل عن قطعة أرض أو بقعة زيت، وإنما القضية أشمل وأعمق بكثير من هذا وذاك.