محنة لبنان وتحليلات ما بعد الحدث
<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>
هناك تحليلات لما قبل الحدث تتناول التوقعات المستقبلية والنتائج المتوخاة استنادا إلى حسابات وفرضيات مختلفة تتنبأ بما سيحدث والخيارات المتاحة والقرار المفضل. وهناك تحليلات ما بعد الحدث Aftermath Analysis, وهي تحليلات تجرى بعد وقوع الحدث، تفسر لماذا؟ وكيف؟ وحتى النيات والأهداف وربط النتائج بالمعطيات ووضع سيناريوهات قد تبدو منطقية، ولكن ليس بالضرورة تعكس حقيقة ما جرى والأسباب الفعلية التي أدت إلى الوضع الحالي. ويبدو أن تسارع وتيرة الأحداث جعل بعض المحللين السياسيين والإعلاميين يتبنون النوع الثاني في تحليل نتائج الاعتداء الإسرائيلي الأخير على لبنان. واعتماداً على هذه التحليلات يلمح البعض بانتصار حزب الله في هذه المواجهة التي فرضت على لبنان من قبل الحزب إما تعمداً وإما خطأ في الحسابات. وأيا كان فإن هؤلاء المحلليين يستقطعون جزءا من الصورة بانتقائية، ومن ثم يرجعون إلى الوراء ليربطوا بين هذه النتيجة وبعض العوامل والمعطيات حتى ليبدو أن هذه النتائج كانت مرسومة ومخططة بإرادة واضحة وعزيمة وإصرار.
لا أحد ينكر أن حزب الله أبلى بلاء حسنا في معركة غير متكافئة مع العدو الصهيوني ورد الجيش الإسرائيلي الجرار الذي لا يهزم على أعقابه منهزما منكسرا يجر أذيال الخيبة والنكوص (وهذه الأخيرة لي عليها تحفظ أذكره لاحقا). ولكن هل يستحق ذلك فعلا سفك الدماء والدمار والعودة بلبنان 20 عاما أو أكثر إلى الوراء؟ لو سئل الشيخ نصر الله قبل أسر الجنديين الإسرائيليين هذا السؤال كيف يا ترى عساه أن يجيب؟ أعتقد أن إجابته قبل الحدث ستختلف عما بعد الحدث. كأني به يجيب: لو استقدمت من أمري ما استدبرت، وعلمت أن سيحدث كل هذا القتل للمدنيين الأبرياء من الشيوخ والأطفال والنساء والدمار الذي أتى على المباني والبنى التحية، وأن تكون ردة فعل العدو الصهيوني بهذا العنف دون أن يتدخل العالم ويحمي لبنان من جبروتهم، لما أقدمت على أسر الجنديين الإسرائيليين. أما وقد حدث ما حدث فقد أثبتت المقاومة أنها قادرة على صد العدوان, وهذا انتصار وتسجيل موقف بطولي يؤسس لفكر جديد في أن من السهل إلحاق الهزيمة بالجيش الإسرائيلي وقهره حتى ولو بعدد وعتاد قليل.
الفرد المسلم خارج لبنان على وجه التحديد يرى في وقوف حزب الله في وجه الآلة والغطرسة الإسرائيلية نشوة الانتصار على الظلم والطغيان التي طالما حلم بها وتمناها. إنها الحالة النفسية التي يعيشها الفرد المسلم في العالم الإسلامي والشعور بالظلم والقهر التي تدفعه نحو البحث عن انتصار بأي شكل وبأي تكلفة حتى ولو انتصاراً جزئياً وشكلياً، فكانت مأساة لبنان التي تحولت بقدرة قادر إلى انتصار كبير نتيجة هذه الحالة النفسية! ألم تهلل الجماهير العربية في شوارع العاصمة المصرية وباقي عواصم الدول العربية وتطلب من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر البقاء في السلطة بعد هزيمة 67 مباشرة. ما هذا؟! يطلبون ممن خسر الحرب أن يبقى في السلطة فقط لأنه يمتلك قدرة على الخطابة ويلهب حماسهم ويحقق أمانيهم بكلمات نارية ملتهبة لا تتعدى أسماعهم! وهكذا في كل مرة نجد فارساً مغواراً يقف أمام العدو يتحداه كلامياً ويغريه بالاعتداء ويمنحه الفرصة لتنفيذ مخططاته التي بلا شك تتعدى الإطار الزمني الذي نحسب فيه الأشياء والأحداث. فهم يحسبون لخمسين عاما أو أكثر ونحن لا يتعدى تفكيرنا ردة فعل آنية سرعان ما تتلاشى بانتهاء السبب. ولذا فإن العدو الصهيوني حقق مكاسب كثيرة من اعتدائه الأخير على لبنان فاستغل حادثة خطف الجنديين لصالحه. وهذا الحادث جزء من تشكيل الصورة الكبيرة التي يرسمها الإسرائيليون لمستقبلهم. فهؤلاء القوم لا يقدمون على شيء دون أن يكون حاضرا في أذهانهم الهدف الاستراتيجي والصورة الكبيرة, وهي تعزيز موقفهم العالمي وشرعنة تعدياتهم على الفلسطينيين وكسب التأييد لحماية أمنهم ومنحهم الفرصة لعمل كل شيء حسب مبتغاهم بحجج واهية.
مشكلتنا نحن العرب أن نرى الأشياء بعين واحدة من جانبنا فقط ولا نحاول أن نلتفت لنرى الجانب الآخر. إن ما يراه العالم ليس اعتداء إسرائيل على لبنان ولكن العكس اعتداء حزب الله على إسرائيل، أولا بخطف الجنديين ومن ثم إطلاق الصواريخ باتجاه البلدات في فلسطين المحتلة. قد يقول قائل ما لنا والآخرين! وهذه معضلة أخرى نواجهها نحن العرب وهو أننا نتصرف وكأننا نعيش في كوكب آخر لا نؤثر ونتأثر بالآخرين. التعايش مع الآخر أمر ضروري بل في غاية الأهمية وهذا ما عمل له الصهاينة وفشلنا نحن في إدراكه. لقد استطاعوا حشد التأييد لهم في كل المناسبات. ومع ظلمهم وتجاوزاتهم وعدم الانصياع للقرارات الدولية والتملص من تطبيق الاتفاقات إلا أنهم استطاعوا كسب ود واحترام العالم بعكس العرب الذين حفت أقدامهم وهم يستجدون الآخرين سماع قضيتهم العادلة وإنصافهم وإرجاع حقوقهم المسلوبة, ولكن مع الأسف لا نحسن التصرف ولا نتواصل مع الآخرين ولا نهيئ الظروف الصحيحة التي نستطيع من خلالها التأثير فيهم والحديث بلغة يفهمونها.
ثانيا: قد تكون إسرائيل أرادت أن توهم العالم بأنها ضعيفة مع تصرفها بقوة! وهذا ما تجيده إسرائيل المكر والخداع، فهي وكما يبدو ظاهرا عانت الأمرين من حزب الله وتظهر الصور في وسائل الإعلام الفزع الذي أصاب سكان المدن في شمال فلسطين المحتلة، وهي قد تكون مبالغا فيها برغبة الإسرائيليين أنفسهم ليظهروا بمظهر المعتدى عليه وأنهم يعانون الإرهاب والخوف وتهديد أمنهم.
دولة مثل إسرائيل لا تستطيع البقاء دون عدو فوجدت في حزب الله ضالتها، فحزب الله ليس جيشا نظاميا ولا يملك الصفة الشرعية والقانونية وبالتالي تستطيع الاعتداء عليه وعلى من تريد أن يكون له علاقة به متى شاءت بحجة القضاء على الإرهاب, وهذا المفهوم مفهوم راسخ في ذهنية المجتمعات الغربية وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة ويلقى القبول لدى الرأي العام في تلك البلدان, وبالتالي يجدون في ذلك مبررا لتصرفات إسرائيل العدوانية.
ثالثا: منحت الهجمة الشرسة على لبنان الإسرائيليين الفرصة لقياس صبر وتحمل العالم ممارساتهم وإكسابها الشرعية وبالتالي تؤسس لنمط جديد من أن إسرائيل فوق النظام العالمي ويحق لها ما لا يحق لغيرها من دول العالم. إنه درس جديد في العلاقات الدولية, وهي أن جميع العلاقات الدولية تمر من خلال إسرائيل وتحتاج إلى مباركتها والتصديق عليها. وأظن هذا يفسر هرولة بعض الدول في المنطقة إلى كسب ود إسرائيل وإقامة علاقات تجارية وفتح مكاتب تمثيلية وهي تبعد آلاف الأميال عن إسرائيل ولا تربطها بإسرائيل لا جغرافيا ولا اقتصاد. ولأنها دولة صغيرة ليس لها وزن سياسي ولا عسكري ولا اقتصادي ذهبت تبحث عن أقصر الطرق للحصول على الانتباه الإعلامي والحضور الدولي بإقامة علاقة مع إسرائيل. من المفارقات العجيبة أن تناصر هذه الدولة الصغيرة حزب الله في صده العدوان الصهيوني وتهاجم إعلاميا شقيقاتها الكبرى من الدول العربية, وفي الوقت ذاته لم تقدم على طرد الممثل التجاري الإسرائيلي من بلدها تعبيرا عن احتجاجها حتى يتوافق القول مع العمل.
ونافلة القول شئنا أم أبينا ومع كل التقدير للمقاومة اللبنانية فإن كل ما يقال عن الانتصار لا يساوي التكاليف الباهظة من القتل والدمار الذي لحق بلبنان. شيء واحد أعتبره مكسباً كبيراً للعرب جميعا وهو أن هناك قناعة وإجماع لدى الجماهير العربية والزعماء العرب أن إسرائيل دولة حرب لا دولة سلام, وبالتالي يجب إعداد العدة وتجهيز أنفسنا لحروب قادمة مع إسرائيل. إن ما علينا إدراكه في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة هو أن نعيد توازن القوى ونملأ الفراغ في العلاقة بيننا وبين إسرائيل الذي تسببت فيه معاهدات السلام, لأن إسرائيل مثل الغاز السام يتغلغل في أي مكان فارغ. ولنبدأ بإعادة الكرامة للفرد المسلم بحفظ حقوقه السياسية والاقتصادية والثقافية بتطبيق الإسلام الحق منهجا ودستوراً, فهذا هو الخيار الوحيد لنهضة الأمة والتصدي لأعدائها.