مستقبل أسعار النفط بين نظريتين: أسعار عالية أم منخفضة؟
<a href="mailto:[email protected]">a@aalhajji.com</a>
الحلقة الثانية
2- تلاشي الطاقة الإنتاجية الفائضة في وقت استمر فيه الطلب على النفط بالارتفاع.
يوضح الشكل البياني رقم (2) الاتجاه التاريخي للطاقة الإنتاجية الفائضة في العالم مقارنة بأسعار النفط. كما يبين أن هناك علاقة عكسية بين كمية الطاقة الإنتاجية الفائضة وأسعار النفط كما توضح الأسهم. مع ارتفاع الطلب على النفط في عام 2004 بدأت أسعار النفط بالارتفاع التدريجي، الأمر الذي جعل "أوبك" ترفع السقف الإنتاجي وتزيد الإنتاج. كانت زيادة الإنتاج وتجاوز الحصص الإنتاجية منطقياً. إذا لم تبع دول "أوبك" النفط عندما تكون الأسعار عالية، متى ستبيعه؟ لكن زيادة الإنتاج جاء أغلبها على حساب الطاقة الإنتاجية الفائضة، والتي تتمثل في الزيادة في الإنتاج التي يمكن للمنتج أن يقوم بها خلال فترة قصيرة بدون أي استثمارات جديدة.
المصدر: إدارة معلومات الطاقة في وزارة الطاقة الأمريكية وبلومبرغ وميس وتقديرات المؤلف. السعر هو متوسط الأسعار التي تدفعها المصافي الأمريكية. الطاقة الإنتاجية الفائضة في السنوات الأخيرة لا تتضمن كميات النفط الثقيل التي لا يمكن تسويقها.
<img border="0" src="http://www.aleqt.com/picarchive/hghgyhji.jpg" width="499" height="300" align="center">
البيانات بين نظريتين
يعتبر أصحاب نظرية التغيرات الهيكلية أن تلاشي الطاقة الإنتاجية الفائضة ما هو إلا تغير هيكلي في أسواق النفط أسهم في دخول أسواق النفط العالمية في مرحلة جديدة ودائمة تتسم بانخفاض الطاقة الإنتاجية الفائضة وارتفاع أسعار النفط. يؤكد أنصار هذه النظرية على كون هذا التغيير "هيكلياً" خاصة أن الطاقة الإنتاجية الفائضة للنفط الخفيف الحلو تلاشت تماماً خلال العامين الماضيين. لا يمكن رفع مستوى الطاقة الإنتاجية للنفط الخفيف لأن أغلب النفط العالمي المتبقي من النوعية الثقيلة والحامضة، في الوقت الذي يزداد فيه الطلب على المنتجات النفطية عالية الجودة والأقل تلويثاً للبيئة، والتي تستخرج بسهولة من النفط الخفيف الحلو. كما يرى هؤلاء أن أوبك تعلمت درساً خلال السنوات الأربع الماضية يقتضي عدم رفع الطاقة الإنتاجية للحفاظ على الأسعار المرتفعة. أما الفئة التي تؤمن ببلوغ الإنتاج ذروته فإنهم يرون ارتفاعاً مستمراً في الأسعار لأنه من المستحيل زيادة الطاقة الإنتاجية.
يرى أصحاب نظرية التغيرات الدورية أن ما حصل منذ بداية 2004 يتطابق تماماً مع ما حصل في بداية السبعينيات. ففي تلك الفترة نما الطلب على النفط بشكل كبير ومفاجئ، في وقت لم يتوافر فيه طاقة إنتاجية فائضة فبدأت الأسعار في الارتفاع منذ عام 1971. وتفاقمت الأمور في عامي 1972 و1973 لدرجة أن الحكومة الأمريكية والإعلام الأمريكي بدآ بالحديث عن أزمة كبيرة في الطاقة. وبلغت الأمور أوجها في نهاية عام 1973 عندما قامت بعض الدول العربية بفرض حظر نفطي على الولايات المتحدة وهولندا. ولكن الأمور ما لبثت أن انفرجت وبدأ الإنتاج العالمي بالزيادة حتى بدأت القلاقل السياسية في إيران، ثم قلتها الثورة الإيرانية، ثم الحرب العراقية ـ الإيرانية، ثم الغزو العراقي للكويت، ثم حرب الخليج. وعلى الرغم من خسارة النفط العراقي والإيراني في الثمانينيات، إلا أن الطاقة الإنتاجية الفائضة بدأت بالارتفاع، ومع ارتفاعها انخفضت الأسعار. لقد كان التغير في السبعينيات هيكلياً حيث زاد الطلب وانخفضت الطاقة الإنتاجية الفائضة وارتفعت الأسعار، ولكن في النهاية، على المدى الطويل، كان التغير دورياً، بعد التغير الهيكلي "المعاكس" في الثمانينيات.
يؤكد أنصار نظرية التغيرات الدورية على أن تلاشي الطاقة الإنتاجية الفائضة يعود إلى أسباب مختلفة بما في ذلك أسباب سياسية بسبب المشاكل في بلاد منتجة مثل العراق ونيجيريا، أو أسباب طبيعية كالدمار الذي سببه إعصارا كارتينا وريتا. إضافة إلى ذلك فإن عدم نمو الطاقة الإنتاجية في دول "أوبك" خلال الـ 20 سنة الماضية، وعدم قدرتها على مقابلة الطلب العالمي منذ عام 2004، وعدم قدرتها على المحافظة على طاقة إنتاجية فائضة، تعود إلى التطورات السياسية والاقتصادية خلال العقدين الماضيين، والتي تتضمن فرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على ثلاثة من أكبر المنتجين في "أوبك"، العراق، إيران، وليبيا، وانهيار أسواق النفط مرتين، ومعاناة منطقة الشرق الأوسط من عدة حروب استنزفت مواردها المالية.
يرى أصحاب نظرية التغيرات الدورية أنه ليس هناك أي دليل على أن "أوبك" تحاول الحفاظ على الطاقة الإنتاجية الفائضة في مستويات منخفضة كما يدعي بعض الخبراء. بل على العكس، كل الدلائل تشير إلى زيادة كبيرة في الطاقة الإنتاجية خلال الشهور الماضية والقادمة، إلا أن أثرها لم يظهر في السوق بسبب المشاكل السياسية والطبيعية والفنية في شتى أنحاء العالم التي خفضت الإنتاج في تلك المناطق.
أما بالنسبة لنوعية النفط فإن أصحاب نظرية التغيرات الدورية يرون أن المشكلة ليست في نوعية النفط بقدر ما هي قدرة المصافي على تكرير النفط الثقيل، خاصة أن السعودية أعلنت أن لديها طاقة إنتاجية فائضة تقدر بمليوني برميل يومياً لكنها لم تتمكن من بيعها لعدم وجود مشترين. ويعود عدم الإقبال على الشراء إلى أمرين، الأول وصول نسبة التشغيل في المصافي التي تستطيع تكرير هذا النوع من النفط إلى أقصاها، الآخر أن فرق السعر بين النفط الثقيل والنفط الخفيف غير كاف لتحقيق أرباح من التكرير. ولكن هناك أدلة عديدة على أن الأزمة بدأت بالانفراج. فقد وصل الفرق بين أسعار النفط الثقيل والنفط الخفيف إلى مستويات قياسية في الفترات الأخيرة ويتوقع أن يستمر في الزيادة إذا أرادت دول "أوبك" المحافظة على حصتها السوقية. إضافة إلى ذلك فإن أغلب المصافي التي ستبنى حول العالم خلال العقد المقبل تستطيع استخراج مشتقات نفطية خفيفة من النفط الثقيل، بما في ذلك المصافي التي ستبنى في السعودية.
ويرد مؤيدو نظرية التغيرات الدورية على القائلين ببلوغ الإنتاج ذروته بأن الطاقة الإنتاجية الفائضة تنتج عن الزيادة في الاستثمار، ولا علاقة لها ببلوغ الإنتاج ذروته. ويستعجب هؤلاء من الفرض القائل بأن نضوب النفط سيؤدي إلى ارتفاع دائم في الأسعار لأن نهاية عصر النفط تعني نهاية الصناعة، وتحول الناس عنها، الأمر الذي يقتضي انخفاض أسعار النفط، وليس ارتفاعها. فإذا كنت تملك آباراً للنفط وتعلم أن النفط سينتهي إما بسبب النضوب أو بسبب تكنولوحيا جديدة، فإن محافظتك على أموالك تقتضي التخلص من هذا الاستثمار والبحث عن استثمار جديد. كما يقتضي عدم قيام الصناعات المختلفة بإنفاق مئات المليارات من الدولارات في تكنولوجيا تعتمد على النفط إذا كان النفط قد بدأ بالنضوب وستستمر أسعاره بالزيادة.
لذلك يعتقد أصحاب نظرية التغيرات الدورية أن الارتفاع الحالي ما هو إلا ارتفاع مؤقت، وستنخفض الأسعار مجرد عودة إنتاج النفط في ألاسكا وخليج المكسيك ونيجيريا وغيرها إلى مستوياته الطبيعية، خاصة أن دول "أوبك"، وبشكل خاص السعودية، الإمارات، الكويت، نيجيريا، والجزائر ستستمر في رفع طاقتها الإنتاجية، في الوقت نفسه ستستمر روسيا ودول وسط آسيا ودول غربي إفريقيا في رفع طاقتها الإنتاجية، وإن كان بشكل أبطأ. إضافة إلى ذلك فإن تحسن الوضع السياسي العالمي وتحسن الوضع في العراق سيؤديان إلى زيادة الطاقة الإنتاجية في كل من إيران والعراق. وسينتج عن هذه التغيرات زيادة ملحوظة في الطاقة الإنتاجية الفائضة بسبب المشاريع الجديدة من جهة، وتخفيض "أوبك" إنتاجها للحفاظ على الأسعار من جهة أخرى، بعبارة أخرى، سيكون هناك تغيرات هيكلية معاكسة ترفع من الطاقة الإنتاجية الفائضة وتخفض أسعار النفط.