في أكبر 500 شركة .. الاندماج ليس ناجحا دائما

في أكبر 500 شركة .. الاندماج ليس ناجحا دائما

أصبحت الاستحواذات رائجة من جديد، رغم أن التجربة تبين أنها تستنزف في الغالب الموارد المالية للشركات. ويلقي التقرير التالي ضوءاً على السبب وراء تعطش بعض كبرى الشركات الـ 500 للتوسع رغم المخاطر المصاحبة لذلك.
في عام 1982 اشترت آنْهُويزر- بوش، وهي من الشركات الأمريكية الكبيرة المتخصصة في توزيع المشروبات، شركة تصنيع الخبز والوجبات الخفيفة " كامبيل تاجارت ". ودفعت آنْهُويزر في تلك الصفقة 560 مليون دولار، أي بزيادة قدرها 110 ملايين دولار على القيمة السوقية لشركة كامبيل تاجارت في ذلك الحين. ولكن المديرين التنفيذيين لدى آنْهُويزر كانوا على ثقة بأنهم سيتمكنون، عن طريق قنوات التوزيع والتسويق المتطورة في شركتهم، من بيع كميات كبيرة من عيدان البسكويت المملح والكيك المحلى تفوق بكثير ما تستطيع شركة المخابز الجديدة (كامبيل تاجارت) بيعه بجهودها الخاصة. وظنوا أنه سيكون من السهولة بمكان تبرير سعر الشراء المدفوع، بما في ذلك المبلغ الإضافي الكبير، حين تجني الشركة الأرباح الإضافية من العمليات المذكورة.
ولكن لم تجر الرياح بما تشتهي السفن. ففي كتاب صدر عام 1997 بقلم مارك سيرُوار بعنوان "مصيدة التعاضد: كيف تخسر الشركات لعبة الاستحواذ"، ذكر المؤلف أن الأمر الذي فات على مديري آنْهُويزر- بوش هو أن المشروبات الروحية والوجبات الخفيفة تباع تقليدياً على أرفف مختلفة في محلات السوبر ماركت. وفي حين أن شركات التوزيع التي تتعامل معها آنْهُويزر كانت لها خبرة ممتازة في تسويق البيرة، إلا أنها لم تُرِد تغيير أسلوبها في العمل لمجرد إدخال رقائق البطاطا والمكسرات على خطوط التوزيع.
إن كتاب سيرُوار مليء بالأمثلة المثيرة التي تبين الأسباب التي تقف في العادة وراء إخفاق عمليات الاستحواذ على الشركات. أليس صحيحاً أن الاستحواذ على إحدى الشركات يجعل الشركة الجديدة أكبر حجماً وأسرع نمواً وأفضل أداء؟ أليس هذا هو السبب الذي من أجله تشتري الشركات بعضها البعض بهذه الكثرة؟ لاحظ أنه في الربع الأول فقط من هذا العام أنجزت 4900 صفقة استحواذ في أوروبا والولايات المتحدة.
إن عمليات الاستحواذ في العادة تضر بأداء الشركات المستحوذة وتدمر القيمة بالنسبة للمساهمين. والآن، يبدو أن العالم مُقبل على دورة جديدة من استحواذات الشركات.
من الناحية النظرية، ينبغي أن تكون جميع الاندماجات بشرى سارة للاقتصاد. ذلك أن مجرد التلويح بعملية استحواذ على إحدى الشركات ينبغي أن يكون تأديباً للتنفيذيين الكسالى فيها. بمعنى أنهم إذا لم يعملوا على تحسين أدائهم فإن شركة أخرى ستستولي على شركتهم، وستعين فريقاً إدارياً جديداً متعطشاً للأرباح.
إن المقصود بالتعاضد هو القيمة الإيجابية المتحصلة من كون أن شركتين معينتين حين تعملان معاً فإنهما تحققان أداء أفضل مما لو عملت كل منهما بصورة مستقلة.
ولكن ما المقصود بالتعاضد؟ هناك مقالة يكثر الاستشهاد بها بعنوان: هل تكلف عمليات الاستحواذ مبالغ تفوق الحد؟ ذكر المؤلفون في مقالتهم أن هناك خمسة أنواع من التعاضد. الأول هو التوفير في التكاليف. ويحدث ذلك حين تستحوذ شركة على شركة أخرى وتقلص الوظائف أو المرافق.وبالتأكيد لن يكون ذلك في صالح العمال الذين يخسرون وظائفهم. جدير بالذكر أن إغراء التوفير الكبير في التكاليف نتيجة للتعاضد كان سبباً من الأسباب التي حدت بديملر بنز في عام 1998 إلى الاستحواذ العملاق على شركة كرايزلر في صفقة بلغت قيمتها 36 مليار دولار، وهي زيجة كان من ثمارها ولادة ثالث أكبر شركة في العالم لصناعة السيارات من حيث الإيرادات والرسملة السوقية.
النوع الثاني من التعاضد هو الذي تستفيد فيه الشركتان من اجتماع مواطن قوة كل منهما لتكون الواحدة منهما مكملة للأخرى. ويعني هذا في الغالب الجمع بين أفضل المنتجات التي تنتجها الشركة الأولى، وبين شبكة التوزيع الممتازة للشركة الأخرى. وهذه هي النتيجة التي كانت آنْهُويزر- بوش تأمل تحقيقها.
النوع الثالث من التعاضد يمكن أن ينشأ من تحسين العمليات (في مجال التصنيع وغيره)، بمعنى أن الشركة الجديدة بكاملها تغذي وتحقن بأفضل الممارسات المستقاة من كل شركة على حدة. النوع الرابع هو الهندسة المالية، مثل إعادة تمويل دين الشركة المستهدفة بمعدلات اقتراض أفضل لدى الشركة المستحوذة. الفائدة الخامسة يمكن أن تكون المزايا الضريبية. ولكن الذي يحدث في الواقع، كما أشارت مجموعة كبيرة من الدراسات، أن ما بين 60 إلى 80 بالمائة من عمليات الاندماج كانت فاشلة من الناحية المالية. معنى ذلك أن السوق ظنت أن الصفقة ستعمل على إتلاف القيمة وليس إنشائها بالنسبة للمساهمين.
فما هو السبب في ذلك؟ من الناحية العملية هناك عدد من المزالق التي يبدو أن أجيالاً من التنفيذيين الطموحين عجزت عن اجتنابها.
من المغريات الشائعة مثلاً أن تدفع الشركة المستحوذة مبلغا يفوق الحد في الشركة الجديدة. ولعل أحد الأسباب وراء ذلك هو أن المشتري لا يعدو كونه ضحية للغرور.
ولكن هناك سبب آخر لعله يفسر دفع المبالغ الزائدة، وهو أن عملية الاستحواذ هي أصلاً عملية تنافسية بالفعل، وعلى الشركة الراغبة في الاستحواذ أن تدفع سعراً أعلى من غيرها لتتفوق على المنافسة.
ولكن الشركات البائعة أصبحت كذلك أكثر دراية وفطنة بشكل متزايد. فهي تصر أكثر فأكثر على المزادات المتخصصة وعلى مواعيد المزايدة الدقيقة، وهي عملية تدفع بالأسعار إلى الأعلى.
وحتى لو فهم التنفيذيون الأسباب التي من أجلها يدفعون ملايينهم، من الممكن أن تكون هناك بعد ذلك صعوبات ميكانيكية أمام الاندماج. إذ يمكن مثلاً أن يكون هناك صراع بين الثقافتين داخل الشركة الجديدة مما يؤدي إلى استقالة كبار الموظفين. وهناك مشكلة أخرى، و هي أن السوق لا تقف مكتوفة الأيدي.فعندما اشترت شركة نوفيل (المتخصصة في برامج الكمبيوتر) في حزيران (يونيو) 1994 شركة ويردبيرفكت المتخصصة في برامج معالجة النصوص بمبلغ 1.4 مليار دولار، لتفاجأ بأن مايكروسوفت اندفعت ببرنامج معالجة النصوص الخاص بها وهو Word. وكان من نتيجة ذلك أن باعت نوفيل شركة ويردبيرفكت إلى شركة كوريل مقابل 170 مليون دولار بعد ذلك بعامين.
لكن إذا كانت عمليات الاستحواذ محفوفة بالمخاطر إلى هذا الحد، فما الداعي إلى القيام بها؟ هناك قائمة طويلة بالأسباب الداعية لذلك، وتشتمل على كل ما يخطر على بالك، من الرغبة في تعظيم الذات لدى التنفيذيين، إلى هيكلة العلاوات وحوافز الأجور. لاحظ أنه يغلب على رواتب المسؤولين أن تكون أكبر كلما ازداد حجم الشركة، وهذا من أهم العوامل في تفسير العلاقة بين رواتب التنفيذيين وحجم الشركة في الغالب.
وتشير معظم الاستبيانات إلى أن الفائدة من الاستحواذ تأتي على الأرجح حين تكون الصفقات صغيرة، وتُدفع نقداً بدلاً من الدفع بالأسهم، وحين تكون الشركتان في الصناعة نفسها أو في صناعتين متشابهتين. وكلما ازداد حجم الشركة ازداد تعقيد الصفقة.
إن عمليات الاستحواذ التي تُمَوَّل بالأسهم تكون في العادة من سمات الفترات التي تكون فيها أسواق الأسهم قد وصلت إلى مستويات متضخمة وغير واقعية. وحين يحدث ذلك تشعر الشركات أنها سابحة في بحر من الثروة. وهذا الإحساس يشجع الغرور والشراء بأثمان تفوق الأثمان الحقيقية. لاحظ أن معظم الصفقات التي تمت في آخر موجة من الاندماج والاستحواذ في أواخر تسعينيات القرن العشرين والسنوات الأولى من هذا القرن، وهي الأكبر من نوعها في التاريخ، مُوِّلت عن طريق الأسهم، بما فيها الاندماج الذي مُوِّل بكامله عن طريق الأسهم بين أمريكا أونلاين وتايم وورنر.

الأكثر قراءة