رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحروب الاقتصادية ضد العرب.. لبنان نموذجاً (1من2)

<a href="mailto:[email protected]">dr_saaty@yahoo.com</a>

قرأت مجموعة مقالات للزميلين العزيزين عبد الله أبو السمح ومحمد دياب، وكلها تطالب العرب بالتسليم بكل ما هو متاح من أجل إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وتحقيق ما يسمى بالسلام (العادل والدائم والشامل!).
ويريان أن التسليم بكل رزنامة السلام التي يطرحها الغرب الصهيوني باسم الشرق الأوسط الجديد أو بأي اسم يحلو لهم.. هو الكفيل بالتفرغ لتنفيذ برامج التنمية الشاملة والمستدامة في كل البلاد العربية وضربا أمثلة باليابان وكوريا الجنوبية رغم النموذج الياباني والكوري لا يماثل ولا يمكن أن يماثل من النواحي الدينية والاقتصادية والاستراتيجية النموذج العربي.
وأرجو من الزميلين العزيزين أن يعيدا النظر في طرحهما وأن يدركا أن القضايا الساخنة بين الغرب والعرب أو بين الغرب والإسلام أعمق بكثير من هذا التسطيح والتبسيط، ولعلي لا أذيع سراً إذا قلت إن الحرب بين العرب والغرب ليست حرباً على قطعة أرض في لبنان أو قطعة أرض في فلسطين كما يظن الأخوان وليست حرباً عسكرية وإنما هي حرب حضارية شاملة تحددها استراتيجيات الدول العظمى ومصالحها الكبرى.
ولا شك فإن الحرب على الاقتصاد تأتي في مقدمة سلة الحروب الصليبية الحضارية ضد البلاد العربية والإسلامية، ولا نريد أن نمضي قدماً ونطرح وجهة نظرناً لنبين إلى أي حد يصمم الغرب الاستراتيجيات للقضاء على دول بعينها في العالم العربي والإسلامي الذي يمثل على خريطة العالم مكانة استراتيجية مهمة.
إن بول كندي في كتابه سقوط وصعود الدول العظمى اعتبر الاقتصاد مفتاح سقوط ونشوء الدول، ودعا الغرب إلى التركيز على الحروب الاقتصادية، أما صامويل هانتنجتون رئيس مؤسسة جون أولين للدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد سابقاً فقال في دراسته المشهورة صدام الحضارات إن الإسلام في المراحل الأولى من القرن الحادي والعشرين سوف يقود صداماً حضارياً عميقاً ضد الحضارة الغربية. ونبه الغرب إلى ضرورة التحسب للإسلام الصاحي الواعد القادم، وحينما وقع الهجوم على برجي نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001م تقدم هانتنجتون وأنصاره خطوات كبيرة نحو الترويج لنظريته.
يقول هنتنجتون إن ظاهرة الصراع والحرب في الماضي كانت تقوم بين دول مستقلة، أما الصراعات والحروب المستقبلية فإنها ستكون بين حضارات مختلفة، وعلى حدود فاصلة ملتهبة بين تلك الحضارات. ويذكر كذلك أن الحروب في الماضي كانت تقوم على أساس أيديولوجي، بينما الحروب والصراعات المستقبلية ستقوم على أساس اقتصادي ثقافي حضاري.
ويمضي هنتنجتون في مقاله إلى تحديد الإطار الجغرافي لكل حضارة وقلبها وتخومها. ويرى أن هناك احتكاكاً عنيفاً يحدث الآن وسيزداد في المستقبل على طول تلك الحدود، ما يجعلها أشبه بحزام زلازل ينفجر كل فترة على شكل حروب أهلية، أو حروب بين حضارات. وحين يتحدث بالذات عن حدود بلاد الإسلام يذكر أن " بلاد الإسلام لها حدود دموية ". ويمضي الكاتب إلى القول إن الغرب قد أصبح الآن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي هو القوة الوحيدة في العالم، ولذلك فإنه يستخدم مجلس الأمن والأمم المتحدة كغطاء قانوني لممارسة نفوذه وهيمنته على العالم، ويذكر هنتنجتون أن هناك هيمنة اقتصادية على العالم تمارسها الولايات المتحدة بالتحالف مع ألمانيا واليابان، وهيمنة سياسية تمارسها بالمشاركة مع بريطانيا وفرنسا.
هكذا يرى هانتنجتون القضية بين الإسلام والغرب ولم يرها على أنها قطعة أرض يجب التنازل عنها لكي تسوى جميع الأمور ونبدأ عصر التنمية، وإنما يرى هانتنجون أن الذي يحكم العلاقة بين الإسلام والغرب هي قضية الوجود الكلي على الكون.
وإذا أردنا أن نعمق مفاهيمنا عن رؤية الغرب لعالمنا الإسلامي فيمكن للصديقين العزيزين دياب وأبو السمح أن يقرآ الكتب التي أصدرها أخيرا الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر، وسوف يقف الزميلان على حقيقة ما يبيته الغرب للعالم العربي والإسلامي.
أما إذا كان الزميلان يبحثان عن طريق التنمية الشاملة والمستدامة، فإن الطريق إلى التنموية الشاملة والمستدامة، هو بناء صروح الاقتصاد الوطني. وصروح الاقتصاد الوطني لا تبنى على التبعية، وإنما تبنى على الاستقلال وامتلاك استقلالية القرار الوطني وعدم خضوعه لقوة خارجية.
ولقد أثبتت كل تجارب التنمية الناجحة التي حققت نتائج تنموية جادة تصب في خانة التقدم ورفع مستوى معيشة المجتمع من خلال توزيع أكثر عدلاً للثروة وللدخل وللإنتاج والعوائد.. إن حديث الالتزام بالثوابت الوطنية والحرص على مصالح الوطن والمواطن تشكل القواسم المشتركة بين القدرة على تحقيق المفهوم السليم للتنمية الشاملة والمستدامة في مقابل التبعية التي لم تحقق التنمية بمعناها الدقيق والأصيل وهو ما حدث في أمريكا اللاتينية على أوسع نطاق وظهر بكل وضوح في تجارب البرازيل التي حققت طفرات نمو كبيرة في قطاع الصناعة لحساب الشركات متعددة الجنسية في الأساس وليس لحساب التنمية المحلية، وكذلك تجربة الأرجنتين التي كادت تقضي على الطبقة الوسطى التي هي عماد الاستقرار المجتمعي والسياسي والاقتصادي. وكذلك تجارب شيلي وغيرها التي أفرزت ديكتاتوريات سياسية وتصفيات دموية للقوى المعارضة وانهيارات مالية حادة ومدوية وإفلاسا اقتصاديا شاملا، تبلور في ضياع مئات المليارات من الدولارات كانت مستحقة لأطراف خارجية في صورة مديونية تجارية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي