رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إعادة التنظيم الإداري متطلب أساسي للحكومة الإلكترونية

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

يتكرر الحديث حول الحكومة الإلكترونية وأهمية تطبيقها لما تحققه من فاعلية وكفاءة وخفض للتكاليف الإدارية وزيادة المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار، إلا أن من الملاحظ التركيز في جميع المناسبات سواء كانت مؤتمرات أو ندوات أو ورش عمل أو حتى تقارير ودراسات على النواحي الفنية التقنية والتكاليف الاقتصادية لتنفيذ مشروع الحكومة الإلكترونية دون الخوض في الترتيبات الإدارية والسياسية والقانونية اللازمة لذلك. وعلى الرغم من أهمية الجوانب الفنية والتقنية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في التنظيم الإداري البيروقراطي. إذ إن الحكومة الإلكترونية تقوم على فلسفة تقاسم المعلومات وجعلها في متناول الجميع وسعي الإدارة في بذل ما بوسعها لإرضاء عملائها ومراجعيها بتسهيل الإجراءات وتقليل الوقت والجهد والتكاليف، باختصار أن تبحث الخدمة عن المواطن وليس العكس! ما نلحظه في كثير من المبادرات التي نتبناها هو محاولة اللحاق بالآخرين بالقفز على مراحل التدرج الطبيعي للأشياء وإلغاء الأعداد والتخطيط وكأنما نريد اصطناع الأشياء وتحقيق إنجاز شكلي دون المضمون. الخطأ الذي نعانيه هو في التركيز على الإجراء دون الناتج النهائي وما نسعى لتحقيقه. حديثنا عن الحكومة الإلكترونية موغل في الجزئيات الفنية دون تناول الإطار الإداري والسياسي العام والثقافة الإدارية المطلوبة لتطبيقها. إن الإطار السياسي / الإداري يمثل حجر الزاوية في تطبيق الحكومة الإلكترونية ودون أخذ ذلك في الحسبان سنظل ندور في دائرة مفرغة في نقاشات فنية تقنية وسنراوح مكاننا ونقضي وقتا طويلا دون تطبيق فعلي للحكومة الإلكترونية. الشيء الوحيد الذي قد نكون قد كسبناه هو كم هائل من البحوث والدراسات النظرية وتوصيات لمؤتمرات وندوات وورش عمل لا تمت لواقعنا الإداري والسياسي بصلة. بل الأدهى والأمر أنه قد يستفاد من نتائج هذه الدراسات في بلدان أخرى لأنها مهيأة إداريا أكثر منا. إن القيام بمشاريع أو حتى مجرد النقاش والحديث عنها فقط لأن الآخرين قاموا بتطبيقها دون أن نعلم القصد الحقيقي وما يجب تحقيقه وعمل الترتيبات والإجراءات اللازمة هو من باب العبث ومضيعة الوقت. صحيح يجب الاستفادة من تجارب الآخرين ونقل تجاربهم الناجحة، ولكن لا ينبغي أن نغفل معطيات ذلك النجاح والمناخ العام الذي تم فيه. بمعنى آخر يجب أن نفهم السياق الذي تم فيه تحقيق النجاح والإنجاز. هناك شروط ومتطلبات يجب الأخذ بها وتهيئة المناخ الإداري ليستوعب التقنية الجديدة. لا نستطيع أن نتصور في ظل الثقافة الإدارية السائدة المبنية على التسلط والترفع والتعقيد وتعطيل معاملات المراجعين أن ينقلب ذلك ويتحول بين ليلة وضحاها إلى سلوك ناضج إداريا يتمثل في الرغبة والقدرة على أداء المهام والسعي لخدمة المراجعين بمجرد تطبيق تقنيات الحاسوب ونظام اتصالات متقدم. وهاكم الخطوط الجوية السعودية مثالا على تردي الخدمة بشكل يدعو إلى الخجل مع أن طبيعة عملها تعتمد على تقنية الحاسوب والاتصالات. ومع أنها مؤسسة شبة خاصة أي أن هناك أسعارا لخدماتها مرتبطة بالسوق، وهناك منافسة عالمية شديدة وسنوات خبرتها تفوق جميع خطوط الطيران الوطنية في دول مجاورة، ومع هذا تبقى خدمتها دون المستوى بكثير. وما عليك إلا الاتصال بالرقم المجاني لعمل حجز لتبقى تسمع الشريط المسجل يصمت برهة ويتحدث برهة أخرى وكأنما الرسالة التي تبعثها الخطوط السعودية بكل وضوح "نحن لا نرغب في خدمتك فاذهب إلى..!" أما الاصطفاف في صف طويل في المطارات بسبب تراخي الموظفين تارة وعدم إتقانهم مهارة الحاسب الآلي والأهم عدم وجود معيار للخدمة يضمن عدم تجاوز الصف عددا معينا من المسافرين! مع كثرة الموظفين الذين تراهم يمضون جل وقتهم في المشي على مسار الشحن المتحرك أمام مرأى الجميع دون أن يلقوا بالا للمراجعين! وإذا ما أراد أحد المسافرين الذين قد أنهكوا من طول الانتظار الاستفسار من مناوب الفترة عن هذا التأخير أو حاول شرح وضعه في أنه في عجلة من أمره، وقد تفوته الطائرة على الرغم من أنه قدم إلى المطار قبل موعد الإقلاع بساعة كما تشترطه الخطوط في الرحلات الداخلية، أطلق العنان لنفسه يسومهم سوء العذاب بألفاظ بذيئة لا تليق بمهنية العمل ولا ثقافته الإسلامية. الوضع المتردي للخطوط السعودية يطول جميع أنشطتها وأعمالها حتى الخدمات المتميزة لمسافري الدرجة الأولى فصالة انتظارهم تصلح لأن تكون مطعما في حي شعبي عن أن تكون في مطار دولي. لم أقصد من حديثي عن الخطوط السعودية التجني على الناقل الوطني والانتقاد من أجل الانتقاد، ولكن لأنها تمثل إحدى المؤسسات العامة التي يفترض أنها حققت نجاحات حتى ولو ضئيلة، فما بال الإدارات الحكومية الأخرى التي لم يتهيأ لها ما تهيأ للخطوط. ما أحاول قوله إن ثمة خطأ في أسلوبنا الإداري وثقافة التعامل مع المراجعين. ببساطة ليس هناك معايير مهنية تضبط التصرفات وتؤكد قيمة احترام العملاء ومن ثم معاقبة من يسيء التصرف أو يقصر في أداء الواجب بالفصل. من هنا كانت الدعوة إلى وضع استراتيجية للتطوير الإداري ذات معايير ومستويات للأداء محددة يتم تطبيقها تطبيقا صارما حازما والالتزام بها طوال الوقت وليست استراتيجيات تزين رفوف مكاتب الإدارة العليا أو للاستهلاك الإعلامي أو تقديمها في المناسبات الوطنية. نحتاج إلى مراجعة أسلوبنا الإداري والاعتراف أن هناك أزمة إدارية تدعى اللامبالاة بحقوق المراجعين.
إن التحدي الذي نواجهه في الوقت الحاضر هو الانتقال من النموذج البيروقراطي (المركزية، هرمية السلطة، والعمل في اقتصاد محدد مكانياً) إلى نموذج حكومي متكيف مع الواقع، والعالمية، واقتصاد رقمي مبني على المعلومات، والتغيرات الاجتماعية. فالتنظيم البيروقراطي بطيء لا يتناسب مع واقع التغيرات في بيئة المنظمات العامة.
إن تطبيق الحكومة الإلكترونية يستلزم إحداث نقلة نوعية في التنظيم البيروقراطي تشمل زيادة سرعة وحجم نقل المعلومات، وتقليل تكاليف العمل، والتغيير في المهارات المطلوبة. هذا بطبيعة الحال يتعارض فلسفيا مع التنظيم البيروقراطي التقليدي الذي يتصف ببطء نقل المعلومات وثبات المتطلبات المهارية، ما يعني أن الافتراضات الحالية للبيروقراطية فيم يخص التحكم والسيطرة، وتحديد التخصصات داخل الهرم الإداري، وحتى تسلسل السلطة نفسه محل تساؤل وشك في قدرته على استيعاب إمكانات الاتصال وتقنية المعلومات الحديثة.
لا نستطيع الحديث عن حكومة إلكترونية دون أن نحدد دور الحكومة في المجتمع وما المتوقع منها وعلاقة المواطنين بالحكومة والعكس. بمعنى آخر يلزم لتطبيق الحكومة الإلكترونية ثقافة سياسية تستند إلى الشفافية والمساءلة وحرية التعبير. وإذا كان القرار العام هو حصيلة الفعل السياسي فإن السياسة تعني الحوار والنقاش والتفاوض لجميع السكان وممثليهم للوصول إلى قرارات وسياسات عامة مرضية لجميع فئات المجتمع بمختلف رغباتهم واحتياجاتهم ومصالحهم. ولأن الإدارة المحلية أو إدارة المدن أو حين تكون أكثر تطورا وندعوها الحكومة المحلية هي التي تهتم بالشؤون اليومية والقريبة للسكان، فإن تطبيق الحكومة الإلكترونية يكون أكثر أهمية على المستوى المحلي عنه على المستوى الإقليمي والوطني. إلا إننا نجد أن الاهتمام يرتكز دائما في تطبيق السياسات الوطنية على حساب السياسات المحلية. قد يكون المبرر في ذلك أننا مازلنا نعتمد على فروع الوزارات كإدارات محلية. هذا الوضع سيتغير، إن شاء الله، حين تتوسع صلاحيات المجالس البلدية ويتطور دورها، حينها ستكون هناك سلطة محلية (على مستوى المدن) تتخذ القرار المحلي وتنفذه محليا بعكس الوضع الحالي حيث القرار مركزي والتنفيذ محلي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي