رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


زمن البشرية البائس

<a href="mailto:[email protected] ">[email protected] </a>

كان التربص الغربي بمنطقتنا العربية جاهزا على الدوام لإبراز خطاب ملائم لكل مرحلة، من أجل الوصول للغاية الحقيقية الخفية لأطماعها الاستعمارية. أما الغاية فقد كانت دوما اقتصادية في الدرجة الأولى، هدفها السيطرة على الثروات ومناطق النفوذ والأسواق ونهب الموارد بأرخص الأسعار.
ففي حركة الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الأولى كان الخطاب المستخدم لتبرير الاستعمار هو تمكين العرب من الاستقلال عن الدولة العثمانية أحيانا، وأحيانا أخرى حماية الأقليات ونشر الحضارة الأوروبية! وفي مرحلة لاحقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبداية حركة التحرر من الاستعمار، ودخول العالم فيما عرف بمرحلة الحرب الباردة بين القطبين الأمريكي والسوفياتي، جاءت محاولات الاستقطاب من كل طرف بخطاب التنمية والمساعدات الاقتصادية في محاولة لربط اقتصاديات المنطقة بالنظام الاقتصادي الذي يمثله كل طرف. ثم على إثر تفكك الاتحاد السوفياتي قبل 16 عاما وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم، وإزاء مرحلة الانفتاح وتعاظم مصالح الشركات العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات MNC، أصبح الخطاب يحمل شعار العولمة والقرية العالمية الواحدة ونهاية التاريخ. أما بعد أحداث أيلول (سبتمبر) عام 2001، أضحى الخطاب محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية المزعومة!
ولن تعجز هذه القوى عن إنشاء الخطاب اللازم لجعل أحقر الغايات وكأنها أنبل التصرفات، من أجل تمرير مشاريعها وتبرير ممارساتها وأحيانا حملاتها العسكرية سواء منها المباشرة، أو تلك التي تقوم بها إسرائيل بالوكالة عنها، وذلك لإحكام سيطرتها على الموارد والأسواق ومناطق النفوذ، خاصة ما كان يتمتع منها بوضع استراتيجي، كالنفط. وهي مستعدة على الدوام لارتكاب أبشع الممارسات المنافية للضمير الإنساني (سجون أبو غريب ومعتقلات جوانتنامو، وقتل قوات الأمم المتحدة) إذا كان ذلك لازما لتحقيق أهدافها الخفية. فمن أسس فلسفة هذه الحضارة مبدأها الميكافيلي: أن الغاية تبرر الوسيلة، وهي جاهزة، إن استدعى الأمر لمراجعات هزلية ومحاكمات مسرحية عند انكشاف هذه الفضائح على الملأ. ولنا أن نقارن بين محاكمة المجندة الأمريكية التي كانت تشرف على سجن أبو غريب والمتهمة بأبشع المخالفات الإنسانية الثابتة والموثقة بالأدلة المادية، ومحاكمة السيدة الفاضلة سارة الخنيزان بتهمة لم ترتكبها، لندرك من خلالها المستوى الوضيع الذي انحدرت إليه العدالة الأمريكية المزعومة.
لكن الأكثر خطورة في هذا المشهد، هو أننا وبعد أن وصلنا إلى القرن الواحد والعشرين نجد أن هذه التجاوزات قد بلغت حدا من الجرأة في التعدي والظلم وعدم الاكتراث بالفضائح، ما يجعل الممارسات الاستعمارية القديمة تافهة مقارنة بما يجرى الآن من عدوان همجي يُستخدم في تبريره خطاب متهالك بالغ الركاكة، يخلط الحق بالباطل وينصب للأكاذيب في أذهان الناس رايات، باستخدام شيطاني لوسائل الإعلام والاتصال. فلا يمكن للذاكرة أن تنسى فضيحة وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول وهو يعرض في مجلس الأمن بلغة ممجوجة تلك الصور المفبركة التي ادعى من خلالها أن الأقمار الصناعية صورتها لمواقع عراقية تخفى أسلحة دمار شامل. ولقد كان هذا الموقف المخجل الذي دبرته له عصابة ما يسمى المحافظين الجدد هو ما دفع الرجل إلى الخروج من الحكومة في دورتها التالية. أما تعليق مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن جون بولتن على ضحايا القصف الإسرائيلي في لبنان فقد بلغ حدا من الفجاجة ومعاداة الإنسانية فاق كل تصور وخيال، عندما صرح أنه لا يجوز أخلاقيا المساواة بين ضحايا لبنان من المدنيين جراء القصف الإسرائيلي وضحايا إسرائيل مما سماه الأعمال الإرهابية!
هل هذه هي النهاية العبثية لما وصلت إليه حضارة أمريكا؟ هل بدأت الديمقراطية بالانحسار في أمريكا في اللحظة التي أخذت فيها بالظهور والانتشار في بقية دول العالم؟ هل أخذ المجتمع الأمريكي يتحول إلى نظام خاضع لسيطرة الطبقة العليا وفقا للظاهرة التي تصورها " ميشيل لند " في كتابه: " الأمة الأمريكية الثانية The Next American Nation "؟ هل بدأت الولايات المتحدة الانحراف عن الديمقراطية عندما أخذ اعتمادها الاقتصادي على العالم الخارجي يتزايد واكتشفت أنها لا تستطيع أن تعيش على إنتاجها وحدها؟ وهل هذا هو الانقلاب الكبير الذي يفسر الفوضى السائدة على المستوى الدولي التى أدت إلي توتر العلاقة بين أمريكا والعالم؟ كيف يمكن حماية العالم من سعار دولة عظمي بدأت تعيش حالة تخبط نتيجة تبعية اقتصادية متسارعة وانحدار أخلاقي وسياسي غير مسبوق؟
إن الولايات المتحدة تكيد لنفسها قبل غيرها إن ظنت أن إعادة صياغة المنطقة وفق هواها إنما يمر عبر القنابل وفوق الجماجم وعلى أشلاء الضحايا من النساء والأطفال والسكان المدنيين!
سيبقى ما حذر منه مفكرون من أمثال برتراند رسل، هكسلى، شبنجلر، إيمانويل تود، ونعوم تشومسكى، واردا حول المصير البائس للبشرية إذا ما استمرت هذه الحضارة في هذا النهج المشين أخلاقيا وإنسانيا. ويبدو في الأفق أن العالم يشهد بداية إحدى نقاط التحول التاريخي!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي