مفارقات شرق أوسطية .. الموقف القطري!
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
تعيش الغالبية من الشعب اللبناني في حالة سيئة متمثلة في الأخطار على حياة الناس وتردي الحالة المعيشية وكذلك تكهرب الحالة السياسية بين فئات لبنان المختلفة، ولكن لا تقف الحالة في لبنان فقط بل تمتد إلى المنطقة التي تعيش بأسرها في حالة هيجان نفسي وسياسي. الحالة النفسية تغلب العاطفة على الفكر فتظهر المفارقات والتناقضات على السطح. وكما يقال رب ضارة نافعة، فهذه التناقضات تساعدنا في تحديد ومعرفة الحدود والأسقف السياسية للمشاركين وتركز الأذهان لفهم النوايا وفرصة لإعادة ترتيب الأولويات ومعرفة الغث والسمين لخدمة أفضل للمجتمع.
إدارة المجتمع السياسية تحتم الحفاظ على الثوابت, ولكن يجب أن تكون هناك مرونة في التعامل مع جميع القضايا ليس بغرض التقدم فقط ولكن للحفاظ على الثوابت أيضا.
هذه المفارقات هي ما يشذ عن هذا النموذج لإدارة المجتمع. أحد إفرازات هذه الأزمة ارتفاع درجة الرياء السياسي وكبر حجم التناقضات، هناك مفارقات كثيرة وعجيبة لكن لغرض الإيجاز سوف نركز على ثلاث منها.
المفارقة الأولى تتجلى في الموقف القطري الذي اختار موقفا قوميا دينيا شعبيا مدويا، ذكر الشيخ حمد بن جاسم وزير خارجية دولة قطر أنه (إذا كان لديهم أسرى فنحن أيضا لدينا أسرى)، فهذا هو الوزير الذي أدخل في القاموس السياسي العربي الرغبة في الاستجداء إلى إسرائيل للحصول على الحقوق العربية، هو نفسه الوزير الذي أعطى لإسرائيل النصر النفسي الكبير بالقيام بعلاقات دبلوماسية وتجارية معها في نفس الوقت الذي أقامت فيه إسرائيل علاقات مع موريتانيا، وهذه مهمة لإسرائيل, حيث إن استراتيجية إسرائيل لا تخلو من الرمزية في محاصرة الأمة من الخليج إلى المحيط، فلماذا لم يتبرع الوزير بقطع العلاقة مع إسرائيل لمساعدة مشروعه القومي الديني الشعبي، إنها لمفارقة عجيبة أن يتحدث قريبا من مركز قيادات القوة الأمريكية في قطر!! يا ترى هل الموقف القطري نكاية بالدول الكبيرة في المنطقة؟ أم للقطري رغبة في ضرب صدره من حين لآخر ليؤكد حضوره مع كل القضايا؟ أم أنها محاولة ساذجة لمغازلة إيران ورسالة تأمين في حالة نشوب نزاع مسلح بين الغرب وإيران، خاصة أن قطر هي مركز القيادة والسيطرة للقوات الأمريكية؟
لسنا في صدد تحليل نفسي فهذه لها مكان آخر، ولكن الظاهرة السياسية في درجة الرياء والاستعداد في ضرر المجتمع العربي والإسلامي لجديرة بالتفكير، ونشكر قطر على تحديد سقف الرياء لفهم أكثر لمشكلات المنطقة وعلى أن يتحسس العقلاء في قطر المسؤولية العامة.
المفارقة الثانية التي لفتت انتباهي هي العنفوان الذي يدافع به السيد عزمي بشارة (العضو العربي الدرزي القومي في الكنيست الإسرائيلي) عن حزب الله والمغالطة أنه لم يبدأ هذه الموجة من الصراع، وأن السيد عزمي لا يؤمن بالمؤامرات في التحليل ثم تجده يسترسل في التحليل التآمري ويبشر العرب ببرنامج إسرائيلي أمريكي مبرمج وأنه الوحيد القادر على فك طلاسمه. مفارقة أخرى في موقفه أن الجنود الإسرائيليين الذين أسروا أو اختطفوا في إسرائيل هم من نفس الطائفة الدرزية، هل السيد بشارة يمثل تيارا قوميا فئويا يقاتل المقاومة الإسلامية التي هو يدافع عنها؟ أم أنه متفرغ لإسداء النصح للقوميين العرب من خلال القنوات الفضائية؟
المفارقة الثالثة ولعلها الأخطر تتمثل في الموقف الإسرائيلي الذي يذكر أنه يريد تعزيز الحكومة الشرعية في لبنان, وأنه يريد أن ينخرط حزب الله كاملا في العملية السياسية والأمنية على كامل أرض لبنان وكجزء من الحكومة الشرعية، ولكن تجد إسرائيل في حالة من الرياء والمكابرة حين تضرب الأدوات التي تمكن الحكومة الشرعية من السيطرة على الوضع اللبناني الداخلي، فحين تضرب إسرائيل البنية التحتية ومفاصل الاقتصاد اللبناني فإنها تضعف لبنان الشرعي وتزيد فرص الفوضى في لبنان. المفارقة وسط المفارقة أن هذه الرغبة تلتقي فيها سورية وإسرائيل، فسورية حريصة على التأكيد أن لبنان تحت الوصاية السورية بلد آمن، ولدى إسرائيل رغبة في الحد من قدرة الشعب اللبناني الموهوب على المنافسة الاقتصادية.
الوجه الآخر لهذه المفارقات هو صورة عن عجز دول المنطقة فرديا أو جماعيا أو مجتمعيا عن التعامل مع القضايا المهمة، لعل المقام يسمح لي بمفارقة أخيرة, فحين سئل استراتيجي صيني عن توجهات الصين الاستراتيجية رد قائلا: إن لدى الصين مسؤولية أكبر في رفع المستوى المعيشي وتقدم الصين العلمي فقط، أما نحن فالكل يفكر في الاستراتيجي والكل سياسي والكل منظر وهذه نزعات صحية عدا أنها تأتي على حساب الجدية والعمل المنظم, ورفع المستوى المعيشي والعلمي. ولعل في المفارقات رياضة ذهنية نستفيد منها.