رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الواقع العربي... دروس من التاريخ الأندلسي

<a href="mailto:[email protected]">amsultan@hotmail.com</a>

فترة ملوك الطوائف هي المرحلة التي تلت سقوط الخلافة الأموية في الأندلس مباشرة، تمزقت فيها الدولة الإسلامية في الأندلس إلى نحو 22 دويلة يدعي كل حاكم لها أنه أمير للمؤمنين وخليفتهم. السمة العامة لهذه الحقبة المظلمة في تاريخنا الإسلامي هي التناحر والخلاف بين تلك الدويلات، ومحاولة كل منها الاستقواء بالأعداء من حكام الممالك المسيحية الشمالية خاصة مملكة قشتالة الساعية بكل قوة إلى استعادة الأندلس من المسلمين وطردهم منها. حاولت كل دويلة كسب ود قشتالة، ولم يتورعوا في سبيل ذلك حتى عن التنازل لها وتسليمها ثغورا وقلاعا حصينة جدا، كانت حاجزا منيعا في وجه مخططات قشتالة للقضاء على الوجود الإسلامي في الأندلس. هذه التصرفات الخرقاء التي يندى لها الجبين، تعتبر دون أدنى شك وصمة عار في تاريخنا الإسلامي، وعظة ودرسا يجب أن نستوعبه تماما حتى لا تتكرر المأساة. فقد كان لهذا السلوك المشين من قبل ملوك الطوائف دور كبير في خلق الظروف التي ساعدت على الإبادة الجماعية والقضاء المبرم على المسلمين في بلاد الأندلس، كان فصله الأخير، كما نعلم جميعا، سقوط غرناطة عام 897 هـ على يد فردناند وإيزابيلا واندثار هذه الحضارة الإسلامية الأندلسية العظيمة.
الغريب أن هذا الضعف والهوان الذي كان يظهره ملوك الطوائف في مواجهة أعداء الأمة، لم يمنعهم من أن يحاكوا عظماء خلفاء المسلمين ممن سطروا صفحات بيضاء في الدفاع عن الأمة وفرض هيبتها وكسر شوكة أعدائها، فمنحوا أنفسهم ألقاب مهيبة كالمعتضد بالله والمعتمد على الله والمنصور بالله وغيرها من الألقاب التي لا تتناسب مع تخاذلهم وخنوعهم، ما دفع أحد شعراء الأندلس إلى السخرية من هذا الوضع المخزي البائس الذي تردت إليه بلاد الأندلس فقال:

مما يزهدني في أرض أندلـس
ألقـاب معتضـد فيها ومعتمـد
أسماء مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

أستحضر هذه الحقبة السوداء في تاريخنا العربي في وقت تفرقت الأمة العربية إلى عدد الدويلات الأندلسية نفسه تقريبا، بعضها دول مجهرية لا ترى على خريطة العالم إلا بمكبر، ومع ذلك يلقي حكامها على أنفسهم ألقابا تحاكي ألقاب قادة أعظم دول العالم، ومنهم من اعتقد أن عظمة بلاده لا يتسع لها حتى مسمى "جمهورية" فسمها "بالجماهيرية العظمى". ومنهم من تباكى واشتكى من دول عربية اتهمها بالتعاون مع إسرائيل في عدوانها على لبنان، في الوقت الذي يحتضن بلده الصغير جدا واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في العالم وبها أكبر مخزن أسلحة خارج الولايات المتحدة، ينقل منها إلى إسرائيل كل ما تحتاجه من أسلحة وعتاد في اعتدائها على لبنان دون حول منه ولا قوة. وتقيم بلاده دون سبب علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني وتمويها تسمى سفارتها في بلاده بمكتب تمثيل تجاري. وإيهود أولمرت رئيس وزراء الكيان الصهيوني يفاخر بأنه تلقى اتصالا من زعيم عربي يشد أزره ويؤيده في اعتدائه على لبنان ويحضه على عدم التوقف قبل أن تستكمل المهمة. ودول عربية أخرى تقع في أطراف العالم العربي بعيدة عن الصراع كليا ليس لها في العير ولا في النفير، ولم يسبق لها تقديم إسهام إيجابي في أي مشروع قومي، عزلت نفسها عن محيطها العربي. ومع ذلك تبادر إلى الانفتاح على الكيان الصهيوني وتقيم علاقة دبلوماسية بسبب شعور غير مبرر بالخنوع والضعف ورغبة في الاستقواء بالأعداء. وفي الوقت الذي تسحب فنزويلا سفيرها من إسرائيل احتجاجا على عدوانها على لبنان لا تجرؤ الدول العربية الواقعة في وحل العلاقات الدبلوماسية مع العدو على ذلك. وتقف معظم الدول العربية غير مكترثة بل حتى مؤيدة لحصار عصابة واشنطن للشعب الفلسطيني وتجويعه.
الشعور بالضعف والهوان الذي كان يسيطر على ملوك لطوائف أوصلهم حتى إلى حد دفع الجزية للممالك المسيحية، الأمر الذي أثار حفيظة وغضب الشعب الأندلسي، لعلمه اليقين أن بلاده تملك المقومات التي تجعلها أكثر من قادرة على الدفاع عن نفسها لولا وجود تلك الدويلات الضعيفة المتخاذلة. إنقاذ الموقف والخروج من هذه الحقبة المظلمة في تاريخ الأندلس تحقق على يد واحد من أعظم القادة في التاريخ الإسلامي مؤسس دولة المرابطين في المغرب العربي يوسف بن تاشفين، الذي عبر مضيق جبل طارق، تماما كما فعل طارق بن زياد من قبله، وخاض ضد مملكة قشتالة واحدة من أهم وأخطر معارك الجهاد في التاريخ الإسلامي وهي معركة الزلاقة التي ألحق فيها بقشتالة هزيمة نكراء قاصمة، عاد بعدها إلى المغرب، إلا أنه وبعد مناشدة شعبية أندلسية تدعوه لتخليص الأندلسيين من تلك الدويلات المتخاذلة المتناحرة، عبر البحر من جديد، وقضى تماما على تلك الدويلات وضم الأندلس إلى دولة المرابطين. وبعد أن كان وشيكا سقوط الأندلس، بفضل تناحر وتآمر ملوك الطوائف، توسعت الدولة الإسلامية في الأندلس وبقيت قائمة لقرون عديدة. مثل هذا السيناريو ليس مطلوبا ولا ممكنا في واقعنا العربي المعاصر، وكل ما يمكن أمله هو أن تعي القيادات العربية مسؤوليتها التاريخية حتى لا يأتي اليوم الذي تقول فيه "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي