رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ديمقراطية تستبيح الحريات والممتلكات!

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

هناك دعوة من الدول الغربية إلى شرق أوسط جديد! تتضمن تغيير الأنظمة السياسية في المنطقة إلى أنظمة ديمقراطية تنخرط في المجتمع الدولي بإلغاء هويتها الوطنية والعرقية والدينية والتحول قيمياً لثقافة العولمة. وعندما يتأمل المرء العربي هذه الدعوة في إطار ما يحدث على الساحتين اللبنانية والفلسطينية لا يملك إلا أن يتساءل عن الدافع وراءها، بل التعجب من هذا التناقض بين فرض الديمقراطية الغربية من أجل مصلحة العرب, وفي الوقت ذاته السماح لأنفسهم ولإسرائيل بقتلهم وتدميرهم! لم يعد بالإمكان تصديق أكذوبتهم الديمقراطية. إنها كلمة حق يراد بها باطل. وإلا ما بال "حماس" تنعت بالإرهاب وتقاطع وهي التي أتت للسلطة بأسلوب ديمقراطي وانتخابات نزيهة شهد لها مراقبون من شتى بقاع العالم بما فيهم الولايات المتحدة؟ ومن قبل فلسطين كانت الانتخابات الجزائرية التي وئدت في مهدها وقضي عليها وكانت نسيا منسيا. هم يقولون إن حماس والحركة الإسلامية في الجزائر حركات دينية وفي قاموسهم السياسي أن الأحزاب والحركات يجب أن تكون لا دينية أو كما يحلو للبعض خطأ تسميتها العلمانية. لكن الإسلام ليس دين عبادة وحسب كما يفسر الغرب المسيحي مفهوم الدين، بل منهج حياة بكل مكوناتها ويتداخل في كل أجزائها ويدور في مدارها ليس سلوكا ظاهرا للأفراد والجماعات، بل عقيدة تتجذر داخل النفس البشرية فتكون مخافة الله السلطة والرقيب على الأفعال وليس قيود الإذلال والإجبار التي يضعها البشر بينهم فترتقي العلاقات الإنسانية من علاقة مبنية على الأهواء والأفكار والميول الشخصية إلى علاقة ربانية تتحدد خارج الذات الإنسانية, وهذا قمة الموضوعية والحيادية والاستقلالية والنضج الإنساني والحرية الفردية. ومع هذا فقد اتضح جليا أن دعواهم للمنهج اللا ديني دعوة باطلة, فهناك الكثير من القضايا التي تبرهن على تدخل القيم الدينية في القرارات السياسية عندهم، على سبيل المثال قضية الإجهاض ونظرية التطور الإنساني (الوجود) والصلاة في المدارس الأمريكية، ومن قبل ذلك التمييز العنصري الذي مورس على الأفارقة وتغيير أسمائهم وديانتهم بالقوة. إن الحرب التي أعلنها الرئيس الأمريكي بوش الابن على أفغانستان والعراق على أنها حرب دينية صليبية هي حقيقة ما يجري حولنا ـ وإن كانت زلة لسان كما أشيع لاحقا! القصد أن القيم الدينية لدى القوم تشكل مرجعا أساسيا في السياسة في الولايات المتحدة ومتغلغلة في وجدان الفرد الأمريكي. وهذا الأمر لا يخفونه بل يتباهون ويفاخرون به حين ينسبون القيم الاقتصادية والدافعية نحو الإنتاج والهمة العالية في العمل في نظامهم الرأسمالي إلى القيم البروتستانتية النصرانية. وغني عن القول وجود الأحزاب السياسية الدينية في دولة الاحتلال وبعض دول أوروبا التي تحمل أسماء وشعارات دينية واضحة, فضلا عن توجهاتها الفلسفية المعلنة.
إن نظاماً يدعي حرية التعبير والاختيار ويسلب الآخرين حريتهم وحقوقهم ويقتل ويشرد ويدمر هو نظام أناني يريد أن يعبر بحرية، ولكن عن كراهيته وحقده، وينافس، ولكن على تدمير الآخرين. لم لا، والنظام برمته يعتمد على المصلحة الشخصية وعلى القدرة والرغبة دون رابط أخلاقي واهتمام بالآخرين. إنه نظام أناني يعتمد فلسفة البقاء للأقوى وليس الأصلح. ومن هنا ظهر جليا هذا التخبط السياسي الذي تمارسه الولايات المتحدة وبقية العالم الغربي في مواجهة إرهاب الدولة الذي تمارسه دولة الصهاينة في فلسطين ولبنان وقتل الأبرياء العزل من الأطفال والشيوخ قتلا جماعيا بكل وحشية دون أن يجرؤوا على إدانتها, فضلا عن إجبارها على التوقف عن قتل المدنيين وضرب البنى التحتية! بل بصمتهم يثبتون أنهم شركاء إسرائيل في كل ما يجري، لم لا وهم ملة واحدة، تجمعهم ديمقراطية إجرائية دون إطار أخلاقي يسوقها نحو تحقيق أهداف سامية رشيدة وعقلانية.
إن ما يجري على أرض فلسطين ولبنان هو في واقع الأمر ضد مصلحة الولايات المتحدة, بل ضد مصلحة دولة الصهاينة لأنها تزرع قيم الكراهية والانتقام وتدفع نحو الإرهاب, على حد تعبيرهم. إنه جنون القوة والغطرسة التي تذكيها الديمقراطية المزعومة. ديموقراطية الأغلبية التي تطوع كغطاء شرعي لأجندة صناع القرار الحقيقيين من خلف الستار من خلال جماعات المصالح والنفوذ وعملية شراء الأصوات والمداولات. ما يعجب له أن القوم أمضوا أعواما كثيرة يقنعون الشارع العربي بعملية السلام والتحول إلى الديمقراطية فاستقرت لدى العموم هذه المزاعم وراح البعض يصدق أكذوبتهم وكادوا يصلون إلى مبتغاهم، إلا أنهم بغبائهم السياسي نقضوا كل ما اجتهدوا من أجله. لقد كادوا يربحون الحرب الكبرى واستسلام العرب عن بكرة أبيهم، لكن أبوا إلا أن يربحوا المعركة ويخسروا الحرب! ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
أجزم أن جميع أفراد الشعب العربي مدركون تمام الإدراك أن الديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة, والتي جاءت لتفرضها على شعوب المنطقة فرضا! بالإجبار والقهر والإذلال! هي حرية الخروج من الهوية الإسلامية والتخلي عن المنهج الرباني. ولذا لم يكن مستغربا أن يتم التركيز على السعودية دون غيرها من العالمين. وإلا فالنظام السياسي السعودي من الناحية العملية يسعى إلى تحقيق العدل والمساواة والرعاية الاجتماعية، الأهداف الحقيقية للديمقراطية. قد لا يكون البناء السياسي في السعودية ظاهريا يعطي مدلولا ديمقراطيا بالمفهوم الغربي، إلا أنه ودون شك حقق توازنا اجتماعيا وحافظ على القيم الإسلامية بأكبر قدر، وهي بلا شك قيم يقدرها المجتمع وفي الوقت ذاته تحقق مصالحه الدنيوية والأخروية. المهم في الأمر ليس الشكل ولكن المضمون، ليس الإجراء ولكن الهدف، والهدف الأسمى هو تحقيق الرضا لدى المواطنين بتلبية احتياجاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كم من برلمانات منتخبة هنا وهناك لا تغني ولا تسمن من جوع نسمع جعجعة ولا نرى طحنا! فها هي المجالس الشعبية والبرلمانات تنتشر في طول العالم العربي وعرضه لكنها مع الأسف صورية جامدة ميتة لا حراك فيها. وحتى تلك التي تعتبر أكثر نجاحا من ناحية الشفافية والمساءلة والسلطات التي تمارسها، إلا أنها ظلت تتشرب القيم الغربية في منهجها السياسي حتى أصبح يتجرأ على الثوابت الدينية وطرحها للنقاش بدعوى الديمقراطية!
لا شك أن هناك حاجة ملحة إلى تغيير منهجنا السياسي وتطوير عملية صنع القرار ولكن بما يتناسب مع قيمنا الإسلامية. قد نتفق مع بقية مجتمعات العالم على قيم إنسانية مشتركة مثل حرية التعبير والشفافية والمساءلة ولكن ليس بالضرورة أن نتفق معهم في المنهج وأطر تعريف الحرية وحدودها والأهداف التي نسعى إلى تحقيقها. إن ما علينا التركيز عليه في هذه المرحلة الحرجة هو السعي حثيثا وبكل مصداقية وعزم على تطوير بنائنا السياسي لا لشيء سوى أننا بحاجة كمجتمع إلى تطوير آليات جديدة للعمل السياسي يعكس العلاقة المتميزة بين الحاكم والمحكوم في السعودية ويقعّد لها بأطر قانونية وإجراءات جديدة تضمن استمرار التماسك الاستثنائي للمجتمع ولحمته والامتزاج الطبيعي والعفوي بين السلطة والشعب، التي ينعم بها السعوديون ولن يتخلوا عنها. ما يلزم هو إحداث تغيير يحتوي المتغيرات والمستجدات على الساحة ويمكننا كمجتمع من التعامل معها بوعي تام وتحديد اتجاه التغيير وحجمه. إن آخر شيء نحتاج إليه هو التغيير من أجل التغيير, وهذا ما يدندن عليه البعض وكأنه صدى للدعوات الخارجية والنعيق القادم من خارج الحدود. إن الرغبة في التغيير يجب أن تكون من أجل تحقيق تطلعات وطموحات المجتمع وتقوية نظامنا السياسي في مواجهة ما يتعرض له من هجمات شرسة ظاهرة وخفية وما يتربصون لعمله في المستقبل. يجب أن يدرك الجميع أننا في السفينة نفسها, وبالتالي تقع على الجميع مسؤولية الحفاظ على الكيان والدولة والمجتمع، ومهما كان الاختلاف في بعض القضايا، يجب ألا نسمح لأي كان أن ينسل بيننا ويستثمر ذلك لصالحه, حتى ولو بدعوى الديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان, لأننا ببساطة، لا نصدقهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي