لماذا يمنع موظفو الدولة من مزاولة الأعمال التجارية؟
<a href="mailto:[email protected]">Fax_2752269@yahoo.com</a>
بعد سنوات طويلة من المنع غير المبرر يدرس مجلس الشورى هذه الأيام السماح لموظفي الدولة المدنيين بمزاولة الأنشطة التجارية التي تتطلب فتح سجلات تجارية أو الحصول على رخص بلدية، وكان قرار المنع قد أسهم في حرمان موظفين كثر من فرص استثمارية جيدة كان يمكن أن تسهم في توفير قدر معقول من الرفاهية لهم ولأسرهم، وانتشالهم من الكسل والخمول والرتابة التي عادة ما ترتبط بالوظيفة العامة، كما أن المنع أسهم في خفض عدد الاستقالات وطلبات الإحالة على التقاعد المبكر التي كان يمكن أن ترتفع إذا ما فتح المجال للموظفين بممارسة الأعمال التجارية وهو ما قلل عدد الفرص الوظيفية التي كان من الممكن إتاحتها للخريجين الجدد.
وفي الحقيقة لا أعلم أسبابا وجيهة تمنع موظفي الدولة من ممارسة الأعمال التجارية في غير أوقات العمل الرسمي في وقت يسمح لزملائهم موظفي منشآت القطاع الخاص بذلك على الرغم من طول ساعات عملهم، وربما فات على من وضع قرار المنع أن الفرد لا يمكن احتكاره طوال ساعات اليوم خلال سنوات خدمته لأن هذا يتنافى مع أبسط حقوقه في حرية العمل وطلب الرزق، وكان يمكن للمشرع وضع عقوبات مغلظة على من يتهاون في عمله كأن يخرج لإدارة أعماله الخاصة على حساب التزاماته الوظيفية، أما المنع الصارم فهو في رأيي مخالف لمقاصد شريعتنا الإسلامية السمحة التي تحث على العمل وتمنع احتكار البشر.
ومن المستغرب أن يسمح للموظفين بمزاولة تجارة الأسهم ويمنعون من ممارسة أنواع أخرى من الأعمال التجارية تتطلب وجود سجلات تجارية, لأن جميع تلك الأعمال تصنف حسب القانون التجاري ضمن الأعمال التجارية ولا فرق بينها سوى متطلبات ممارستها فقط، كما أن قرار المنع في الواقع لم يلتزم به كثير من الموظفين لأنهم يمارسون الأعمال التجارية عن طريق سجلات تجارية ورخص بلدية بأسماء أقارب لهم مثل زوجاتهم وأبنائهم وآبائهم، ولعل اللوحات الإعلانية لكثير من المحلات التي تنتشر في شوارع الرياض دليل قاطع على ذلك.
وغاب عن المشرع أن يلتفت إلى الآثار القانونية والمالية المترتبة على مزاولة الموظفين الأعمال التجارية بالوكالة إن جاز لنا التعبير كما هو حاصل اليوم، فكثير من الذين منحوا سجلات تجارية لأقاربهم الموظفين لا يعلمون شيئا عن الآثار القانونية المترتبة عليهم جراء تصرفات أقاربهم مثل التزامات الذمم المالية أو التعاقدية وغيرها، الأمر الذي يثير كثيرا من المشاكل بينهم.
فإذا كنا نحارب التستر التجاري بمفهومه المعروف فإن المنع أسهم في ظهور نوع جديد من التستر يمكن تسميته بالمزدوج، لأن هناك سعوديا يتستر على سعودي آخر من أجل ممارسة العمل التجاري, وهذا الأخير يتستر على عمالة أجنبية تعمل لحسابها بمقابل معلوم.
لقد تعود بعض المسؤولين لدينا على إصدار قرارات المنع وأسرفوا فيها، ربما لأنها تمثل الحل الأسهل أو لأنها توفر لهم حماية من المساءلة، إلا أنها تظل في كثير من الحالات الحل الأسوأ وينطبق عليه المثل المعروف "آخر العلاج الكي", وهذا يعني أن المسؤول ينبغي أن يطرق جميع السبل لتنظيم عمله والتقليل من سلبياته ولكن ليس بالضرورة أن يكون ذلك عن طريق المنع، فهو يغلق الطريق بشكل مباشر ويتسبب في آثار سلبية متعددة تطول شريحة واسعة من الأفراد لا ذنب لهم.
أخيرا أعود لسياسة المنع كإجراء إداري لأذكر القراء الأعزاء والمسؤولين كذلك أن أسباب معظم قرارات المنع هي خرق نسبة محدودة من المعنيين التعليمات أو حصول حادثة شاذة إلا أن الجميع يكتوي بآثاره، مثل أن تعمم وزارة التربية والتعليم على عشرة آلاف مدرسة للبنات بغلق أبوابها أثناء الدوام بسبب حادث هروب أو حادثين حصلا في إحدى المدارس، وربما لا تعلم أن الضرر قد يلحق بمليوني طالبة إذا ما حدث مكروه في المدرسة، مثل حادث مدرسة مكة المكرمة قبل سنوات.