البحث عن استراتيجية خليجية لمواجهة أزمات أسواق الأسهم

<a href="mailto:[email protected]">dr_saaty@yahoo.com</a>

لعل البحث عن الأسباب المؤدية إلى استقرار سوق الأسهم السعودي وإبعاده عن الهزات والانهيارات.. تظل قائمة حتى يصل السوق إلى مراحل التذبذب في حدود المسموح والمقبول.
إن عاصفة 25 شباط (فبراير) 2006 وما بعدها التي هبطت بمؤشر السوق من 20.634 نقطة حتى مستوى عشرة آلاف نقطة .. مازالت تؤثر في قرارات شريحة كبيرة من المتعاملين في السوق وبالذات صغار المساهمين الذين هدتهم الأزمة التي استمرت لأكثر من خمسة أشهر متواصلة ومازالت ذيولها تتلاعب بالسوق حتى أتت على معظم ممتلكات صغار المستثمرين وقضت على الأخضر واليابس.
وما لا ننكره أن الحكومة اتخذت مجموعة إجراءات حاولت من خلالها إصلاح ما يمكن إصلاحه مثل السماح للمقيمين بالبيع والشراء وخفض القيمة الاسمية للأسهم إلى عشرة ريالات وإنشاء مصرف الإنماء وطرح 70 في المائة من أسهمه للاكتتاب قبل نهاية العام ، وتغيير رئيس هيئة سوق المال بإحلال الدكتور عبد الرحمن التويجري مكان زميله جماز السحيمي وإيقاف التداول يوم الخميس وإلغاء التداول في الفترة المسائية ، ثم إصدار نظام الحوكمة الذي يدعم التوجه نحو الشفافية والنزاهة والإفصاح، وأخيراً وليس آخراً إنشاء صندوق الفقراء بغية تأسيس صانع السوق الذي يمكن أن يقوم بدور المحافظ على التوازن من التذبذبات المخيفة صعودًا أو هبوطاً.
ونتيجة لهذه السلسلة من الإصلاحات بدأ السوق يستعيد شيئاً من عافيته . ولكن مع بداية الحرب البربرية التي تشنها إسرائيل على لبنان ..لم تلبث أسواق الخليج وبالذات السوق السعودي أن عاد إلى التدهور واندفع الناس يبيعون بكميات كبيرة ما يعني أن بقايا الأزمة لا تزال تقبع في سراديب السوق حتى مع تسليمنا بأن الحرب في حد ذاتها هي سبب مهم من الأسباب المؤثرة في الأسواق.
ولذلك فإننا نقترح على الحكومة أن تسرع في تأسيس مصرف الإنماء وصندوق الفقراء ليكونا بمثابة صانع للسوق يتولى عمليات التدخل عن الارتفاع الهائل والهبوط الحاد.
أما الأمر المهم الذي نود طرحه لاستكمال منظومة حماية السوق السعودي فهو فكرة الاندماجات مع أسواق الأسهم في دول الخليج العربية.
إن دول الخليج تتجه نحو التكامل الاقتصادي بقوة وإنها مع مشارف عام 2010 سوف تبدأ في تنفيذ مشروع العملة الخليجية الموحدة، وسوف تيسر هذه الأجواء الاقتصادية التكاملية عملية الاندماجات بين أسواق الأسهم، بل سوف تكون الاندماجات بين أسواق الأسهم الخليجية جزءًا من منظومة التكامل الاقتصادي الخليجي.
وقضية الاندماجات في أسواق الأوراق المالية ليست بدعة تقوم بها دول مجلس التعاون الخليجي فقط، فقد دخلت (بورصة دويتشي) و(بورصة نيويورك) أكبر بورصات العالم في مفاوضات جادة من أجل شراء (يورونيكست) وهي نفسها نتاج سلسلة من عمليات الاندماج التي قد تجتذب قريباً بورصة إيطاليا في ميلانو إذا سارت المحادثات على نحو جيد. وفي اجتماع المساهمين السنوي لـ (يورونيكست) الذي عقد في أمستردام في الثالث والعشرين من أيار (مايو) واجه فرانسوا ثيودور، رئيسها التنفيذي صعوبة بالغة قبل الفوز في النهاية بدعم قراره باختيار بورصة (نيويورك) شريكا، فيما يمكن أن نسميه أول بورصة عابرة للأطلنطي، وإن كان الكثيرون من مساهمي (يورونيكست) يفضلون اندماجاً محلياً أكثر من (بورصة دويتشي) التي يقال إنها تحضر الآن لزيادة عرضها للتفوق على العرض الأمريكي البالغة قيمته ثمانية مليارات يورو (عشرة مليارات دولار) نقداً وعلى شكل أسهم.
إن نجاح بورصتي (نيوريورك) و(يورونيكست) في التوصل إلى اتفاق مبدئي للاندماج بينهما، تقوم فيه بورصة (نيويورك) بشراء بورصة (يورونيكست) الأوروبية، بنحو 7.78 مليار يورو يهدف إلى تكوين أكبر بورصة عالمية لتجارة الأسهم والأوراق المالية.
وسوف يطلق على الكيان الجديد اسم بورصة (نيويورك يورونيكست) (شركة قابضة أمريكية) على أن يكون مقرها الرئيسي في نيويورك بدلاً من باريس ويكون لها مقران دوليان في باريس وامستردام، ومركز في لندن. ومن المتوقع أن يحدث الاندماج خلال ستة أشهر من حصول البورصتين على موافقة السلطات الأوروبية والأمريكية المعنية بالأمر، وعندئذ سوف تصبح بورصة (نيويورك يورونيكست) – كما ذكرنا - أول سوق عابرة للأطلنطي وسوف تكون أكثر سوق مالية عالمية سيولة في العالم.
ويقول أندريه كابون من مجموعة (سي بي إم) وهي شركة استشارية متخصصة في أسواق البورصة، إن حلم مزاوجة الديناصورات هذا هو إيجاد بورصة عالمية ضخمة، سوف تلغي الاستثمارات المحصورة داخل الحدود الداخلية لكل دولة.
ويجب أن ندرك أن الانتعاش الاقتصادي الذي يعيشه الاقتصاد الوطني السعودي واقتصاديات دول الخليج بسبب زيادة إيرادات البترول والأرباح التي تحققها البنوك والشركات .. لن تكون مؤدية إلى انتعاش دائم في سوق الأسهم, بل قد تفاجئنا الأزمات غير المتوقعة من الحالة النفسية للمتعاملين أو الأزمات التي تأتي من تسريب إشاعة من الإشاعات النارية أو قد تفاجئنا الأزمات من حرب مفاجئة تتعرض لها المنطقة كما هو الحال بالنسبة للغزو الإسرائيلي للجمهورية اللبنانية.
إن أهمية الاندماجات بين البورصات الإقليمية بالذات تتجلى إذا ألقينا نظرة سريعة على اثنتين من أبرز وقائع الانهيارات المالية في التاريخ، فقد كان من أشهر انهيارات البورصات على مر التاريخ ذلك الانهيار الكبير الذي حدث في سوق وول ستريت بنيويورك في عام 1929 في فترة ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق هربرت هوفر وكان من أبرز معالمه أن اختفت مبالغ تقدر بالمليارات من بورصة نيويورك بين يوم وليلة، ووصف هذا الانهيار بأنه من أبرز الأحداث التي شهدها القرن العشرين، لأنه تسبب في نشوء الأزمة الاقتصادية العالمية التي عانى منها العالم كله في فترة الثلاثينيات وأدى إلى موجة كساد طويلة عرفت باسم الكساد الكبير.
والمشكلة أن هذا الانهيار وهذه الأزمة جاءا بعد فترة انتعاش اقتصادي رهيب شهدته الولايات المتحدة طوال فترة العشرينيات من القرن نفسه، وانعكس ذلك على امتلاء خزائن البنوك الأمريكية بالأموال، وبالتالي أدى إلى ضخ هذه الأموال في بورصة نيويورك وانتعاشها بشكل خيالي.
لقد غمرت الأموال البنوك والشركات الأمريكية الكبيرة، وقد أعيد توظيف جانب كبير من هذه الأموال في سوق الأسهم، مما جلب مزيداً من الانتعاش والازدهار إلى الاقتصاد، ولكن السبب الحقيقي وراء الانهيار هو نفسه السبب وراء انتعاشها، فقد أدى ارتفاع المكاسب في البورصة إلى تشجيع أناس كثيرين – بمن فيهم البسطاء - على شراء الأسهم، وانتشرت حمى البورصة إلى جميع أبناء الشعب وشرائحه التي تعرف في البورصة والتي لا تعرف أي شيء عن مخاطرها.
وإذا كان من المهم أن نستفيد من كارثة بورصة نيويورك، فإننا يجب أن ندرك أن الانتعاش الكبير قد يولد انفجاراً كبيراً إذا لم ندعم السوق بخطوط سميكة من الحماية.
ولذلك فإن سوق الأسهم السعودي وهو في حالة الانتعاش الذي يعيشه .. يحتاج إلى خطوط متعددة من الحماية وليكن في مقدمة هذه الخطوط التوقيع على استراتيجية خليجية لمواجهة أزمات أسواق الأسهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي