رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حاملة الطائرات الثابتة

<a href="mailto:[email protected]">mdukair@yahoo.com</a>

يرى عدد من دارسي تاريخ الإمبراطوريات أن قوة الولايات المتحدة آخذة في التراجع، خاصة من ناحية الحلم الذي راود بعض متطرفيها من منظري اليمين المحافظ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990، والخاص ببناء "إمبراطورية القوة الأوحد في العالم", ويعود ذلك إلى سببين:
الأول: أن قدرتها العسكرية والاقتصادية غير كافية من أجل الاحتفاظ بالمستوى الحالي لفرض نفوذها على العالم! صحيح أن لدى أمريكا الآن قوة عسكرية تزيد على حاجة أمنها القومي ولكن هذه القوة أقل مما يجب من أجل بناء إمبراطورية أمريكية, وهي بالتأكيد أقل كثيرا من أن تمنحها قوة هيمنة واسعة على العالم فيما وراء حدودها.
والملاحظ أن العسكرية الغربية عموما والأمريكية خصوصا أخذت تفتقد روح التضحية والإقدام! وهو أمر يمكن فهمه بالنظر إلى الاستغراق الكبير في الملذات الذي ذهبت إليه الحضارة الغربية، فضلا عن افتقاد هذه الجيوش قضية وقيما عالية مقنعة تحارب من أجلها. منذ الحرب العالمية الثانية حتى حروب أمريكا الأخيرة في العراق وأفغانستان، كانت العمليات العسكرية التي تشارك فيها القوات الأمريكية التي تحتاج إلى روح التضحية تُسند إلى كتائب غير أمريكية. بل حتى أداؤها في فيتنام لم يكن جيدا، لأنها كانت في مواجهة غير مباشرة مع روسيا التي ينظر لها على أنها المنتصر الحقيقي في الحرب العالمية الثانية، لأن الخسائر البشرية الروسية الهائلة قبل معركة ستالينجراد وأثنائها وبعدها، هي من كسر شوكة الآلة العسكرية النازية، وليس غيرها كما يظن البعض.
افتقاد روح التضحية جعل المفهوم الحديث للعسكرية الأمريكية هو الحرب دون قتلى اعتمادا على قوة السيطرة الجوية والبحرية. والواقع أن القوة الأمريكية لم تجرب نفسها في حروب متكافئة، فحروب أمريكا حتى الآن هي من النوع غير المتكافئ، التي تنتج عنها خسائر قليلة نسبيا في أرواح الأمريكيين. وهي في هذا الشأن تشبه حال عسكرية الكيان الصهيوني! وقد لاحظنا أخيرا كيف أن المواجهة غير المتكافئة بأي مقياس بين إسرائيل وحزب الله في المأساة الدائرة الآن في لبنان، عرّت العسكرية الإسرائيلية وكبدتها خسائر غير مألوفة في الأرواح عندما انتقلت المواجهة المباشرة من السماء إلى الأرض في بنت جبيل.

أما السبب الثاني الذي يعتقد أنه سيضعف الهيمنة الأمريكية في العقود المقبلة، فهو تراجع عموميتها الأيديولوجية، فهي لم تعد تعامل الأفراد والشعوب بالمساواة من أجل تأمين السلم والاستقرار العالميين. إن الولايات المتحدة تعيش أسوأ فترات تاريخها من حيث سمعتها الحضارية بين أمم الأرض. والحقيقة أن أي حضارة تنحرف عن القيم الإنسانية الأساسية في العدل والحرية والمساواة، تصبح خطرا على العالم يجر الخراب على الجميع. فخلال التاريخ البشري، كان السبب الجوهري لتوسع الإمبراطوريات ونموها هو اعتمادها مبدأ المساواة بين البشر.
ظهرت بوادر الانحراف الأمريكي منذ منتصف التسعينيات من القرن العشرين عندما رفضت واشنطن معاهدة أتاوا المتعلقة بالألغام ضد الأفراد ، ثم رفضت اتفاق محكمة الجزاء الدولية، وأتبعتها برفض بروتوكول كيوتو الخاص بالسيطرة على انبعاث غاز الكربون. ولم يقتصر هذا الانحراف اللاديمقراطي على مستوى العلاقات الأمريكية الدولية، بل تخطاه إلى المستوى الداخلي عندما طال بقسوة ضوابط حقوق الإنسان, وبالذات تجاه العرب والمسلمين المقيمين في الولايات المتحدة. أما إهدار حقوق الإنسان في معسكرات "جوانتانامو" وسجن أبو غريب فهو فضيحة إنسانية عالمية تخطت كل القوانين والشرائع وعصفت بكل القيم الإنسانية، من أي مقياس تاريخي نظر إليه المرء. ومن المفارقات العجيبة أن يتسارع هذا الانحدار الأمريكي اللاديمقراطي في الوقت الذي أخذت فيه الأنظمة الدكتاتورية في العالم في الانحسار والتراجع.
إن العسكرية الأمريكية التي أخذت تأنف بصورة متزايدة من الخسائر في الأرواح، أصبحت تفضل الاعتماد على القوة الإسرائيلية للقيام بالمهام الأرضية التي تتناسب مع الرغبة الأمريكية في فرض السيطرة على موارد هذه المنطقة المهمة في العالم. لذا يتم تزويد إسرائيل بشكل مستمر بترسانة ضخمة من أحدث الأسلحة الفتاكة مما يجعلها أشبه بحاملة طائرات ثابتة في المنطقة. ومن المفارقات المثيرة أن تظهر أثناء الحرب الهمجية الحالية على لبنان أصوات في داخل إسرائيل تنبه وتحذر من هذا الشِرك الذي تدفع أمريكا إليه إسرائيل.
إن الولايات المتحدة ما فتئت تستعرض قوتها تجاه دول صغيرة (العراق، كوريا الشمالية، إيران، وأفغانستان) وسوف تخطئ خطأ جسيما إذا تمادت في ممارساتها غير العادلة، فإن الحروب الكبرى تبدأ من مستصغر الشرر. إن لدى الأمة الأمريكية من المصالح والاعتبارات الحضارية ما يجعلها تنأى بنفسها عن التأييد الأعمى غير العقلاني لسياسة التوسع والاعتداءات الإسرائيلية الهمجية المتكررة اللا إنسانية. إن ما يجب لجمه لصالح الأمن العالمي هو هذه الدولة المارقة على القوانين الدولية التي صنفها أخيرا الأوروبيون في استفتاء صحافي بأنها أكثر الدول خطرا على السلم والاستقرار العالميين.
كم هو مؤسف حقا أن تنزلق الحضارة الأمريكية بكل مقوماتها إلى هذا الدرك المخجل من السلوك اللا إنساني المقيت ! إن أمريكا تزرع كل يوم في كل شارع وكل ركن عدوا جديدا لها، فهل هذا ما تريده؟ هل فقد المجتمع الأمريكي حكماءه؟ أم أنهم حُيّدوا فلم يعد يُسمع لهم صوت أو يُرى لهم أثر؟ ألم تتعلم أمريكا من درس فيتنام، أن للقوة حدودا؟ وأن ما لا يمكن لأي ترسانة حربية أن تفعله هو قهر إرادة الشعوب؟ أم أن شعار أمريكا غدا :لا صوت يعلو فوق صوت عصابات الكاوبوي؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي