رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هيئة للسوق المالية و ليس للأسهم فقط

<p><a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a></p>

صفقت بحرارة وبإعجاب كبيرين لهيئة السوق المالية CMA عندما قرأت لائحة "صناديق الاستثمار العقاري" في المملكة. عندما أنشئت الهيئة قبل نحو ثلاث سنوات سميت منذ ذلك الحين بهيئة السوق المالية. وبناء على هذا الاسم ظهرت عدة تساؤلات مهمة جدا كان أكثرها إلحاحا هو ما دار ويدور حول عبارة "السوق المالية"، فهل كانت لدينا سوق مالية أصلا كي ننشئ لها هيئة؟ هل تأتي الهيئة بعد إنشاء السوق أم قبل إنشائها؟ وهل تنظم الهيئة السوق القائمة أم تأتي بسوق لتنظمها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست قاطعة حتما، فإن قيل إنه لم يكن لدينا سوى سوق للأسهم فقط وبما أن الأسهم إحدى الأوراق المالية, فإن لدينا سوقا للأوراق المالية تحتاج إلى تنظيم, ولذلك ظهرت هيئة السوق، فإن إجابة بهذه البساطة تجعل مستقبل الهيئة شديد الغموض مهما قيل عنه أو عن دورها وأهميته.
ما السوق المالية؟ ببساطة هي السوق التي من خلالها يستطيع رجل الأعمال الحصول على الدعم المالي اللازم لإنجاز مشروعاته الكبيرة دون إلحاق خطر كبير بالممولين، كما أن الممولين يستطيعون توظيف مدخراتهم في أي مشروع و الخروج منه دون تأثير على المشروع القائم، وهكذا تُوازن السوق بين التمويل ومخاطره المصاحبة. وفي السوق المالية يتم تبادل الحصص بأسعار عادلة يتفق عليها الطرفان البائع والمشتري، الأسعار العادلة تتحقق بتوافر معلومات متساوية لدى الطرفين عن الحصة محل التبادل. من هذا العرض المبسط نجد أنه كان لدينا ما يشبه السوق المالية الكبيرة ولكن بشكل غير منظم وخطير للغاية. فبالإضافة إلى الشركات المساهمة وجدت منشآت توظيف الأموال بدعوى القيام بمشروع أو مشاريع كبيرة تدر عائدا وقدره كذا. هذه المؤسسات وبما تقوم به من جمع للأموال تعد نموذجا للسوق المالية الأولية والتي لم يكن متاحا لها سوق ثانوية لتبادل الحصص، كما أن المصداقية فقدت والمخاطر تفاقمت عندما دخل إلى هذه المهنة بعض المدلسين ومحترفو النصب الذين حققوا ثروة طائلة من وراء الادعاء والدعوة إلى مشروعات وهمية.
لقد استطاعت هيئة السوق المالية ومن خلال لائحة الصناديق الاستثمارية أن تجعل من نفسها اسما على مسمى. فقد أصلحت الهيئة ومن خلال اللائحة أحد أعقد المواضيع وأكثرها إشكالية وجدلا في المملكة ألا وهو المساهمات العقارية. تلك المساهمات التي طالما استغلت البسطاء ممن يريدون توظيف أموالهم في مشاريع مضمونة تحقق عائدات مجزية وفي وقت معقول. سُرقت الأموال تحت مسمى مساهمات لم تصف بعد أو مجرد أرض مسورة اكتشف أن عليها خلافات قانونية خطيرة لا حلت القضية ولا استرد الناس أموالهم. جاءت اللائحة كالبلسم الشافي لهذا الجرح الغائر.
إن أروع ما قرأته في اللائحة هو تلك الأجزاء المتعلقة بحوكمة الصندوق وإن لم تشر إليها اللائحة صراحة. الحوكمة ببساطة أن تعاد السلطات إلى الجمعية العامة للمشروع (الصندوق هنا) أو تشارك فيها، فقد أشارت اللائحة إلى أهمية دور الأعضاء المستقلين عن مجلس إدارة الصندوق على أن يمثل هؤلاء الأعضاء المستقلون ثلث أعضاء المجلس على الأقل، وفي جميع الأحوال ألا يقل هؤلاء الأعضاء عن اثنين. كما أشارت اللائحة إلى أنه لا بد أن يطلع مالكو الوحدات على أي تغيرات في مجلس الصندوق.
وفي موضوع الشافية والإفصاح حققت الهيئة قفزة نوعية من خلال فرض القوائم السنوية وربع السنوية على إدارة الصندوق, الأمر الذي يمكن مالكي الوحدات من الاطلاع على الوضع المالي ونتائج العمليات بشكل دوري, وهو أمر كان أشبه بالمستحيل في الفترات السابقة. وحققت الهيئة من خلال اللائحة تقدما نوعيا في سوق الأوراق المالية عندما أشارت إلى أهمية تداول وحدات الصندوق بين الجمهور بخلاف الأطراف ذوي العلاقة (مدير الصندوق، أمين الحفظ، المطور، المثمن، مراجع الحسابات، أعضاء مجلس الإدارة، الموظفين، أي مالك لأكثر من 5 في المائة، أي شخص تابع أو مسيطر على أي شخص تم ذكره). والحق أن هناك تقدما حتى في الصياغة القانونية التي لم نكن نراها في اللوائح السابقة أو المشابهة وقد يعزى هذا التطور إلى أنه نابع من احتياجات أساسية للمجتمع ومستقر أمنه وليس مجرد ترجمة لما لدى الآخرين ونجرب إمكانية التطبيق لدينا.
ومع الإعجاب الذي لا أخفيه بالمشروع الذي سينقل المساهمات العقارية والمشاريع المماثلة ومعها السوق المالية ككل نقلة نوعية وحقيقية، إلا أن هناك حلقات ضعف أتمنى متابعتها عند التطبيق. فقد أشارت اللائحة في موضوع تداول الوحدات إلى مسؤولية إدارة الصندوق عن عمليات التداول وتحديد الأسعار بناء على سعر استرشادي يتم إطلاع البائع والمشترى عليه. ما هذا السعر الاسترشادي؟ هل نحن نتقدم أم نتأخر يا هيئة السوق؟! من يحدد السعر الاسترشادي وما الأساس الذي يحدده؟ من خلال اللائحة يبدو الأمر بيد إدارة الصندوق وبهذا فإننا لم نحقق معنى السوق المالية الثانوية قط. لماذا لا يتم ربط الهيئة (إلكترونيا) بأية عملية تداول وتقوم الهيئة من خلال سعر آخر صفقة بتحديد السعر الاسترشادي. إن جعل الأمور بيد إدارة الصندوق سوف يعيدنا إلى دوامة الخلافات وإلى المعلومات الداخلية والادعاءات بتسريب المعلومات وخاصة أن سعر الوحدة بالتأكيد سوف يتأثر بالتدفقات النقدية المتوقعة. لذلك لابد للهيئة أن تجد حلا لهذه النقطة حلا ليس لائحيا و إنما عملي في الأساس.
أشارت اللائحة أيضا إلى أنه يجب على إدارة الصندوق تقديم تقارير مالية مدققة, وهذه خطوة جيدة جدا, ولكن أشارت اللائحة أيضا إلى أهمية تطبيق معايير المحاسبة المالية الصادرة عن الهيئة. أتذكر أن هيئة المحاسبين القانونيين قد ناقشت موضوع المساهمات العقارية كثيرا ولم تقدم حلا أو نموذجا استرشاديا واحدا عن التقارير المالية لمثل هذه المشاريع وخاصة قائمتي الدخل والتدفق النقدي, فأي المعايير تقصدها اللائحة؟ أعتقد أن على الهيئتين البدء بمشروع مشترك لتطوير معايير محاسبية وخاصة فيما يتعلق بأمور التثمين التي سوف تحدد بشكل أساسي سعر الوحدة عند التداول والتوقعات حول التدفقات النقدية المستقبلية. كما أن اللائحة لم تشر إلى أهمية نشر التنبؤات والتثمينات ومسؤولية الإدارة عن كل ذلك وهي نقطة في غاية الحساسية لهذه المشاريع.
وأخيرا أعود إلى أول المقال فأقول إن الشك كان قائما حول انغماس الهيئة في الأسهم فقط. وظننا، وحُق لنا ذلك بسبب الأحداث الأخيرة، أن الهيئة نسيت السوق المالية في معناها الشامل تماما, وأن الأسهم سوف تشغلها وذلك بالطبع بسبب الشعبية الهائلة لسوق الأسهم وما صحبها وما يصاحبها دوما من أحداث وتقلبات هائلة تمس أطراف المجتمع وشرائحه كافة. ولكن بصدور لائحة الصناديق الاستثمارية فإن الهيئة تضع حدا لكل هذه الإشكالية وتؤكد أنها أتت لتطور السوق المالية وليس الأسهم فقط.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي