تصريح لمصدر مسؤول حول أحداث لبنان
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
في خطوة مفاجئة ونوعية استطاع حزب الله دخول الأراضي الإسرائيلية (طبقا لكل الدول العربية التي لها علاقة دبلوماسية مع إسرائيل) وقتل وخطف جنودا إسرائيليين بغرض الإفراج عن أسرى لبنانيين وآخرين. أتت هذه العملية بعد تحرير الأراضي اللبنانية كاملة (أراضي مزارع شبعا لا تزال مجال جدل بين سورية ولبنان). أعادت هذه العملية التذكير بهشاشة الوضع السياسي الداخلي اللبناني ومدى الخسائر الاقتصادية خاصة أن هذه الأحداث أتت في أوج الموسم السياحي.
الجدل حول العملية في لبنان ظهر على لسان رئيس الوزراء وبعض الفعاليات السياسية مثل وليد جنبلاط وأمين الجميل وآخرين. فهل قرار الحرب والسلام في أي دولة مسؤولية فصيل سياسي معين أم هي مسؤولية الدولة؟ نظرا لعدم التكافؤ العسكري مع إسرائيل يكون ذلك مقبولا وعمليا في حالة الاحتلال، ولكن المغامرات المصيرية تتطلب حسابات سياسية أكبر وأعمق. لقد كان قرار الحرب موضوعيا وشرعيا عندما كانت الأرض محتلة والكل كان خلف المقاومة وكانت المقاومة تأخذ شكلا يتناسب مع توازن القوى. بعد التحرير تغيرت المعادلة السياسية والإقليمية، الدور الإيراني يحكمه انشغال إيران بالمسألة النووية، والدور السوري لم يقبل حتى الآن تغير الحالة في لبنان بعد اغتيال الحريري، الدعم الإيراني والسوري لحزب الله بدأ يأخذ بعدا سياسيا يخدم هذه الدول بعد أن انتفت الحاجة إلى التحرير.
نقاط التماس في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية كثيرة أفقيا ورأسيا. هناك انقسامات فئوية وعرقية ومذهبية، وتداخل الأيدلوجي مع القطري، وهناك الفجوة التنموية بيننا وبين الغرب وبين العاطفة والعقل. وبين هذه الفجوات والتداخلات، يسهل النفوذ إلينا، فتصبح المتاجرة والمزايدات بالقضايا الوطنية والشعارات البراقة أسهل من العمل الجاد بعيد المدى وتحكيم العقل وإعطاء المجتمعات فرصة لبناء ذاتي يستطيع الحياة الكريمة والدفاع عن نفسه. ولعل أحد أهم مظاهر هذه الفوضى هو تساهل البعض في قرارات الحرب والسلام متسلحين بلوم الآخرين مرة ونظرية المؤامرة مرة أخرى. فتجدنا من ناحية نلوم أمريكا ومن ناحية أخرى نعطي إيران فرصة في إقحام برنامجها النووي في المسألة اللبنانية. لدى إيران خط استراتيجي واضح في صرف النظر عن الموضوع النووي من ناحية وتحذير أمريكا من ناحية أخرى، بينما سورية في حالة ضعف متواصل محاولة التمسك بأي دعم ومحاولة تجاوز إبعادها العسكري والأمني من لبنان. ترقص السياسات الإيرانية والسورية على أرض لبنان على حساب اللبنانيين، فالبنى التحتية الإيرانية والسورية لم يصلها أي أذى.
يكمن الحل في التفريق أساسا بين الدور القيادي (جعل القرار بعيد النظر وعقلانيا ووطنيا لبناء مصلحة جماعية)، وبين المصالح السياسية الضيقة في جعل الألاعيب السياسية والعاطفية هي ما يحرك المجتمع. يأخذ الوضع الإيراني اليوم مركز الاهتمام الإقليمي والعالمي، فالنزاع العربي الإسرائيلي مهما تكن عواطفنا ومأساة الشعب الفلسطيني، بدأ يأخذ مركز اهتمام ثانوي في المعادلة الدولية بعد رغبة إيران في الطموح النووي والنفوذ في العراق، فالقائمون على الحكم في العراق في حالة تناغم وتجاذب بين إيران وأمريكا. الوضع اللبناني الداخلي اليوم لا يسمح للقيادات اللبنانية بأن تقود بلادها إلى التنمية والسلام، بل إن الظروف التاريخية والسكانية تسمح دائما لغير اللبنانيين باستغلالهم لهذا الغرض أو ذاك، ولكن لبنان دائما عصي على المستعمر والمتنفذ، فكما قال حاكم تركي في العهد العثماني "يسهل احتلال لبنان ولكن يصعب حكمه والسيطرة عليه".
أتى البيان السعودي ليفرق بين المصير الوطني والمسؤوليات الأخلاقية تجاه مواطني لبنان وبين النزوات والمصالح السياسية الفئوية والإقليمية، كما أن البيان السعودي رفع درجة الوضوح والصراحة في مجتمع لم يعد يتحمل الصراحة والوضوح، ارتقى القرار السعودي ليبين الحاجة إلى القرار القيادي المذكور أعلاه. تاريخيا يعرف اللبنانيون من ساعدهم اقتصاديا وسياسيا وعلى جميع الطبقات وألوان الطيف السياسي، فقد اجتمع السفير السعودي مع حزب الله قبل عدة أيام من هذه الأحداث. البيان السعودي دلل على فهم عميق لتعقيدات المعادلات السياسية ووعي بالمخاطر المترتبة، فالفصائل السياسية الفاعلة في لبنان، غير حزب الله، لم تقرر الدخول في حرب مع إسرائيل.
فلماذا يتورط فصيل في مخاطرة تتطلب من الآخرين الدخول في المعركة؟ ولكن لما تجف الدماء يريد الاستئثار بالقرار السياسي وحمل السلاح. هذه المطالب غير المتوازنة لم تفت على أغلب اللبنانيين، فهم في حالة انتظار لقراءة سياسية بعد أن تأخذ هذه الدورة العسكرية ـ السياسية مداها من هدنة أو تفاهم ضمني أو علني بين الأطراف المتقاتلة، فحزب الله يبدأ من قاعدة ضيقة في لبنان ودون دعم إقليمي صريح وعملي ليقوم بدور أكبر فهنا خلل وعدم توازن لا بد أن تكون خسارته الأولى البنية التحتية في لبنان وخسارته اللاحقة سياسية.
بعد البيان السعودي أتى بيان مصري ـ أردني، ليعزز هذه النظرة والقراءة السعودية الثاقبة.
المحزن أن الشعب اللبناني بما فيه من قدرات بشرية ومناخية وتجربة اجتماعية ـ سياسية لأفضل الدول العربية يستطيع منافسة إسرائيل اقتصاديا في حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي. وشعب بهذه التجربة والوعي يعرف أن المملكة تحاول العقل اللبناني وراهنت على مسؤولية اللبنانيين في كبح جماح المزايدين بينهم. يستحق الشعب اللبناني الفرصة في عيش كريم دون تدخلات إقليمية مهما تكن الأسباب.