رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إنها كرامة الأمة .. يا حميدان التركي

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

لم يعد خافيا على كل ذي لب أن هناك إرهابا تمارسه الولايات المتحدة على شعوب الأرض (باستثناء إسرائيل بل إنه من أجل إسرائيل) بدرجات متفاوتة جهاراً نهاراً، وهو من أخطر أنواع الإرهاب, إذ ليس له حدود ولا معنى محدد يلوى فيه القانون ليا ويطبق بانتقائية ليضفي على قراراتها شرعية مشوهة، فالعدل لدى القوم إجراء وليس هدفا، وبالتالي يفرغ القانون من المبادئ والأخلاق ليحل محله أنواع من الممارسات الشاذة بدءا من التلاعب والمراوغة وتزييف الحقيقة وانتهاء بالتهديد والوعيد والتخويف. ففي النظام العدلي الأمريكي طالما أنك قادر على أن تخدع الجميع أو توهمهم شكليا بالتدليس والتلاعب بالأدلة وإعطاء نصف الحقيقية وإخفاء نصفها الآخر وتفسير الوقائع خارج سياقها باستغلال الثغرات في الإجراء القانوني تكون قادرا على كسب القضية حتى ولو كانت جميع الدلائل ضدك مدعيا أو مدعى عليه. الأدهى والأمر أن تكون هناك تداخلات من قوى سياسية نافذة تسيطر على مجريات المحاكمة وتقود إلى أحكام مسبقة! الكل شاهد محاكمة لاعب الكرة الأمريكية أوجى سمبسون والمهزلة التي حدثت في قاعة المحكمة, وأثارت دهشة الجميع وكيف برئت ساحته بسبب غلطة بسيطة إجرائية فنية للدفاع العام, مع العلم أن جميع الدلائل تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أنه مذنب وأنه القاتل الحقيقي لزوجته؟ وهناك الكثير من المحاكمات إبان التمييز العنصري الذي كان يمارس ضد مواطنيهم السود لم تكن عادلة بل لم تكن إلا محاكمات صورية إجرائية.
إنه نظام قائم على البقاء للأقوى وليس الأصلح. كل شيء ممكن شراؤه حتى الذمم، مبدأهم الواقعية Pragmatic، وحكمتهم تسيرها القدرة والرغبة دون خلق إنساني. إنه جبروت القوة الذي يقلب الحقائق ويغتصب المبادئ ولا يقيم وزنا للعدل وحقوق الإنسان, ولذلك بقي مصطلح الإرهاب عندهم معلقا دون معنى محدد، ما مكنهم من أن ينعتوا ما يقوم به الكيان الصهيوني من إرهاب الدولة من حصار وتشريد وتجويع واعتقال وقتل على أنه حقها في الحفاظ على أمنها والدفاع عن مواطنيها، وفي الوقت ذاته ودون استحياء بل وضد جميع الأعراف الدولية والإنسانية وحتى مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتشدق بها وتقطع آلاف الأميال لتفرضها على مجتمعاتنا فرضا، تصف المقاومة الفلسطينية والعراقية واللبنانية وغيرها من حركات التحرر الوطنية والدفاع عن النفس وإزالة الاحتلال بالإرهاب! واذا كانت أمريكا قد كشفت عن وجه نظامها السياسي والاقتصادي القبيح المبني على العنصرية البغيضة، فنظامهم تسيره المصالح الشخصية للأفراد والجماعات والتحزبات في تنافس محموم فيما بينهم من أجل الإقصاء والسيطرة الفئوية وليس السعي إلى مصلحة المجتمع برمته, وهذا نذر شؤم لهم وبذرة مهلكهم وانتهاء دولتهم. إذ إن نظامهم الفيدرالي اللامركزي يضعف العمل السياسي للأفراد ويختصرها لمجموعة المصالح في العاصمة واشنطن. ولذا تجد الفرد الأمريكي يهتم بشؤونه المحلية في مدينته ولا يلقي بالا لما يجري في العالم من أحداث, بل إنهم مغيبون تماما عن الساحة العالمية. ومن تجربتي الخاصة والعيش بين ظهراني القوم مدة تصل إلى 12 عاما وجدت من الشعب الأمريكي كل الاحترام والتقدير والتعاون، ولذا تستغرب كيف أن المواطن الأمريكي العادي الذي يحرص على تطبيق القانون وحقوق الإنسان بل حتى حقوق الحيوان يقف ساكنا دون ردة فعل، بل إن بعضهم يؤيد اعتداءات حكومته على المجتمعات الأخرى قتلا وتدميرا. إنه نظامهم السياسي الذي في ظاهره يعتمد على تقاسم السلطة من أجل موازنة القوى وفي حقيقة الأمر طريقة جديدة لتحقيق مبدأ فرق تسد. فمن يملك المال والإعلام يملك القرار، ومن هنا كان من السهل الإجابة عن السؤال الذي صعب على الكثيرين الإجابة عنه وهو: كيف لأقلية من الصهاينة القدرة على السيطرة على صنع القرار في الولايات المتحدة؟! ولماذا أمريكا التي لم تعد تنازعها قوى عالمية أخرى وليست في حاجة إلى إسرائيل لصد المد الشيوعي كما يزعمون، تتحيز لكيان تأسس على الاغتصاب والإرهاب ونقض المواثيق والعهود ويعيث في الأرض فسادا؟ لماذا أمريكا راعية حقوق الإنسان تغض الطرف عما يجري في الأراضي المحتلة من ممارسات لا إنسانية, وفي الوقت ذاته تخسر الشعوب الإسلامية ومصالحها الوطنية على المدى الطويل؟ إنه نظامهم السياسي المتشرذم المبني على تصارع القوى وليس المبادئ.
بالأمس اختطف جندي إسرائيلي فقامت الدنيا ولم تقعد, ومن أجل خاطر هذا الجندي المغتصب المعتدي بدأت دولة الاحتلال حملة عسكرية بجيش نظامي بعدته وعتاده على شعب أعزل لا حول له ولا قوة إلا بالله. هذا يحدث أمام مرأى ومشهد من المجتمعات المتحضرة التي تحرص على ألا تموت الديدان في غابات الأمازون أو تنقرض السلاحف في أستراليا أو يفتك المرض بأفيال الهند! ما هذه الحضارة القذرة التي لا تكرم بني أدم وترى جثث القتلى من المدنيين الفلسطينيين والدمار الذي يلحق بالأخضر واليابس والترويع الذي يملأ المكان وهؤلاء القوم لا يحركون ساكنا! واليوم تقصف الطائرات الحربية الإسرائيلية البنى التحتية في فلسطين ولبنان دون تمييز! إنه عقاب جماعي لا تقره القوانين ولا الأعراف الدولية, فما موقف الولايات المتحدة والأمم المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي؟ وكيف سيتم التصرف مع الدولة المارقة من قبل من يملكون حق النقض الـ Veto, الذي هو الآخر رمز الظلم وعدم المساواة بين شعوب الأرض؟!
في المقابل يقاد أحد مبتعثينا حميدان التركي إلى السجن مصفدا بالأغلال وتحاك مؤامرة للإذلال والتحقير ليس لشخصه الكريم ولكن للأمة. تصوروا لو أن أحد رعاياهم قتل نفسا أو قام بتهريب المخدرات وقمنا بتطبيق القانون عليهم ماذا ستكون ردة فعلهم؟ إن احتجاز حميدان التركي من دون وجه حق هو استهانة بالأمة. وكيف لهم أن يحترمونا وما زلنا مستمرين في ابتعاث أبنائنا إليهم وكأن شيئاً لم يكن؟! لما نصر على ابتعاث أبنائنا وهم يلاقون أصناف الذل والهوان في بلادهم؟! بل حتى في استخراج التأشيرات من سفاراتهم ابتداء وكأننا نستجديهم! لماذا نحرص على احترامهم وتقديرهم ولا نحرص على كرامتنا؟ أعتقد أنه آن الأوان أن نرسل رسالة واضحة بالفعل لا بالكلام ليس على المستوى الرسمي فحسب، ولكن على المستوى الشعبي. يجب أن يكون لدينا من الإحساس بالكرامة والعزة والنخوة ما يمنعنا من شراء سلعهم. يجب أن نبدي لهم استياءنا العارم على معاملتهم اللا إنسانية والدونية. إن حميدان التركي يمثل جزءا لا يتجزأ من كل فرد في الأمة, لقد سجنوا حريتنا واستباحوا كرامتنا يوم حكموا عليه حكمهم الجائر ظلما وعدوانا.
ونحن في السعودية, ولله الحمد والمنة, نقف صفا واحدا متماسكا خلف قيادتنا وأهلنا وأبنائنا لا يزعزعنا المرجفون ولا يفرقنا المتخاذلون، وليعلم الذين يتربصون بنا الدوائر أننا لا نرتضي إلا حكامنا ونظامنا السياسي والاجتماعي المبني على الشرع الحنيف, لا أقول ذلك نفاقا ولا مداهنة بل لأن نظام حكمنا منا وفينا ساعٍ في مسيرة الإصلاح وكل ما يزيد من لحمتنا بكامل إرادتنا. ولن نسمح لأي كان أن يفسد علينا هذا الاجتماع أو يعبث باستقرارنا أو أن يبث فكره الذي ظاهره الرحمة وباطنه العذاب. الكل يشاهد ما يجري في العراق باسم الحرية والديمقراطية المستوردة. لذا كان علينا إدراك حقيقة أن قوتنا في لحمتنا وقوة جبهتنا الداخلية فهي خيارنا الوحيد للتصدي للتحديات ومهما كان الاختلاف في الرأي لن يكون لأعداء الأمة مكانا بيننا, فهذا ترفضه عقيدتنا وفطرتنا الصحيحة وتقاليدنا وأعرافنا... إنها كرامة الأمة!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي