التغرير المالي والقوائم ربع السنوية
<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>
المحاسبة فن ثم علم، المشكلة أن منظري المحاسبة نسوا الفن وانغمسوا في العلم في النظريات والمبادئ والمفاهيم وكيف نستخلص المعايير. القليل منهم يهتم بفلسفة الجمال في المحاسبة ويبدو لي أن لا أحد من الأكاديميين معني بدراستها. المحاسبة فن في الأساس وإصرار الأكاديميين بالذات على أنها علم هو الذي أوصل الجميع إلى مرحلة انهيار الثقة بالتقارير المحاسبية التي تعاني منها المهنة اليوم. المحاسبة كفن فيها من الجمال ما يتيه بالعقل ويدهش أولي الألباب.
لو يحق لي تصنيف المحاسبة لصنفتها على أنها الفن الثامن، فمن خلال التقارير التي يرسلها إلى الإدارة أو إلى السوق المالية عن طريق الإدارة يرسم المحاسب لوحة من الأرقام يعرضها بطريقة فنية بحتة، وكما يدمج الرسام الألوان ليثير بها الناظر إلى فنه، فإن المحاسب يستطيع بخفة ودهاء أن يدمج الأرقام لتعطي الانطباعات التي يرغب أو يريد أن يثير بها المطلع على أرقامه.
إن القوائم المالية تمثل صورة كربونية أو قل صورة إشعاعية للشركة يمكن من خلالها قراءة ما حدث خلال الفترة الماضية، وبمساعدة المحاسب، ويمكن أن تتنبأ بما قد يحدث في المستقبل. المحاسبة كفن تحمل روح الإبداع (المحاسبة الإبداعية) Creative Accounting، بهذه الروح الفنية الإبداعية ومن خلال الفهم الكامل لطبيعة وسلوكيات سوق الأسهم والمتعاملين فيها يستطيع المحاسب أن يرسم القوائم المالية وينحت رقم الأرباح الذي ترغبه الإدارة ويحقق أهدافها وقت التقرير. إنها عملية نحت الأرباح - تسمى في الأدبيات المحاسبية بـ "إدارة الأرباح أو تعديل رقم الأرباح والتلاعب به" Earning Management or Earning Manipulation ، حيث تضع الإدارة التنفيذية تصوراتها عن رقم الأرباح الذي تريد التقرير عنه يقودها في ذلك دوافعها لتعظيم المكافآت الحالية أو المستقبلية وما يتوقعه كبار الملاك من توزيعات نقدية أو على شكل أسهم.
لكن بطبيعة الحال يختلف الرسم المنحوت من فنان إلى فنان ومن تشكيلي إلى آخر، فعندما تنظر إلى بعض المنحوتات يمكنك أن تميز الفن الراقي من غيره. تدهشك السيطرة على التفاصيل حتى لا تكاد تفرق بين الأصل والصورة. وهكذا هي الحال بالنسبة لفن نحت رقم الأرباح. قد يتمكن المحاسب الممارس وبخبرته من رسم رقم الأرباح الذي ترغبه الإدارة ولكن البعض يمكن كشفه والبعض يظل مستعصيا على ذلك. وإذا أخذنا تجربة شركتي إنرون ووورد كم العالميتين هنا سوف نجد فنا لم يتم كشفه حتى انهارت الشركتان معا وانهارت معهما الثقة بالقوائم المالية وقدرة المعايير المحاسبية في وضع القيود على التلاعب. في المقابل يبدو لي أن قدرات المحاسبين العرب الإبداعية في المحاسبة محدودة. فإن تمكنوا من نحت رقم الأرباح بتفاصيل جيدة في قائمة الدخل بالكاد يتذكرون ربطها بتفاصيلها في قائمة التدفق النقدي فينكشف المستور. فن نحت رقم الأرباح يحتاج إلى الإيمان بالمحاسبة كفن أولا وإلى النظر للقوائم المالية والتقرير المالي كلوحة فنية واحدة لا بد أن تتناسق خطوطها وتتراص ألوانها معا وبتناسق تام.
إن إدارة الأرباح أو تحديد رقم الأرباح هو جزء من مهام المحاسب، وقد تدهشك معرفة المفاوضات التي تجري بين المراجعين والإدارة التنفيذية حول رقم الأرباح الذي يجب التقرير عنه. وإذا كنت استطردت في وصف هذا الفن فإني أشير أيضا إلى أن مثل هذه التصرفات فيها ما هو من طبيعة العمل وشرعي جدا ومنها ما دون ذلك. وهذا النوع الأخير يدهشني بجمالياته إلا أنه يعتبر تدليسا وتغريرا وتضليلا, بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى, وتصرفات غير قانونية تتدثر بعباءة القانون (معيار العرض والإفصاح). وعلى الرغم أن كل المجمعات العلمية والمهنية تحارب هذه الظاهرة وتحاول تضييق الخناق على ممارسي مهنة المحاسبة والمراجعة بالمعايير الواجب اتباعها, لكن يظل الإبداع موجودا وعملا ملازما للمهنة. تمارس ضغوطا كبيرة على عملية الإفصاح في المملكة ولكني ما زلت أؤكد أن الإفصاح فن يجب أن يمارس ويقرأ ويفهم ويحلل على هذا المعنى.
وإلى عنوان المقال الذي ليس فيه خطأ، فإذا كانت كلمة التقرير تعني قول الحق والالتزام به فإن كلمة التغرير تعني تضليل الناس بتعمد نكران الحق وإخفائه. ولأن الأرقام المحاسبية التي تظهر في القوائم المالية تقتضي العديد من الاجتهادات والتقديرات مهما بلغ حجم الشركة وقدراتها الرقابية الصارمة فإن القوائم المالية تكون أشد ما تكون عليه عرضة لهذه التقديرات في مرحلة التقارير ربع السنوية، لذلك يجب أخذ أرقامها بالكثير من الحذر وعدم التسرع في اتخاذ القرارات الاستثمارية المهمة أو المفصلية. وقد أثبتت العديد من الدراسات وجود عمليات إدارة الأرباح وانتشارها كلما أرادت الشركة أو واجهت قرارات مهمة جدا مثل طلب اقتراض أو معونة حكومية أو دولية معينة أو تصنيف خاص. وفي دراسة خاصة أجريتها على السوق السعودية للأسهم لم أجد انتشارا واسعا لهذه الظاهرة، التلاعب برقم الأرباح, خلال فترة انتعاش سوق الأسهم السعودية وذلك في التقارير المالية السنوية، الأمر الذي يبعث على الاطمئنان نوعا ما إلى هذه التقارير, ولكن بقيت التقارير ربع السنوية عرضة لمثل هذه الأساليب خاصة أنه تم الاطلاع على عدد من الشركات مارست مثل هذا الأسلوب. بالتأكيد هذه التقارير تحتاج إلى دراسات أكثر وأعمق نظرا لتأثيراتها العميقة على السوق. لم أستطع دراسة القوائم ربع السنوية مع دراسة القوائم المالية السنوية لقلة المعلومات المتاحة عنها في العديد من الشركات خلال فترة الدراسة ولكن مع وجود هيئة سوق المال وتشريعاتها قد أتمكن من ذلك مستقبلا. وأخيرا ومع ازدياد حمى الإطلاع على القوائم ربع السنوية فإني أنصح بأخذ الكثير من الحذر عند تحليلها والاعتماد أكثر في تقييم الشركات السعودية على القوائم المالية السنوية وخاصة فيما يتعلق بالقرارات الاستثمارية المهمة جدا.