المنتديات المحلية واستشفاف الرأي العام
<p><a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a></p>
هناك مشاريع اجتماعية وثقافية تلبي احتياجات ليس بمقدور القطاعين العام والخاص تقديمها. إنها الجهود الذاتية لمبادرات أفراد أحسوا المسؤولية الاجتماعية وتصدوا لها. إنها مؤسسات تنبت طبيعية عفوية دون سلطة الإجبار الحكومي ولا السعي واللهث وراء الربحية والبحث عن المصلحة الخاصة. إنها الحلقة المفقودة التي تشكل رؤية المجتمع الصغير وتعكس توجهاته وتستوضح احتياجاته المعنوية والمادية. ومنتدى الزامل من بين مجموعة كبيرة من المنتديات يطل علينا بنهج جديد يسعى إلى إبراز قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية حية تشغل بال الكثيرين وتحتل مساحة كبيرة من تفكيرهم واهتمامهم وطرحها للنقاش بكل شفافية ومصداقية. لقد اعتدنا على أن تختصر المنتديات دورها في نشر وترويج الأدب والثقافة بمعناها الضيق التخصصي الموغل في الترف في مناقشة موضوعات تهم النخب دون عامة الناس. وفي كل مرة أسمع أن هناك منتدى ناقش قصيدة شعرية أو قصة قصيرة أو طرح موضوعات فلسفية بلغة فيها من التكلف والرمزية ما يحتار العاقل في فهمه! أعلم أن هناك محاولة للهروب من الواقع أو الخوف من مواجهته أو ربما كان انعكاسا لحالة الانفصام التي نعيشها في المجتمع وازدواجية المعايير والاهتمام بالشكل دون المضمون. كم أتمنى أن يأتي اليوم الذي تتحول فيه صالونات الأدب إلى مجالس تناقش بواقعية دون تكلف موضوعات تهم المواطن العادي ودون التفاف ومراوغة في التصدي للتحديات التي تواجهنا أو نظرة فوقية لمشاكلنا اليومية وتعال يصل إلى حد إنكار وجودها.
لقد انتابتني سعادة حين حضوري منتدى الزامل بدعوة كريمة من الأخ الفاضل الأستاذ نجيب الزامل لمناقشة مستقبل الإعلام في المنطقة الشرقية ودوره في التنمية المحلية وزيادة الوعي والارتقاء بالمجتمع نحو مستويات أعلى من التحضر والرقي الاجتماعي. التنوع في الحضور كان هو الآخر مميزا, فكان هناك جمع من المهتمين بالشأن المحلي يمثلون أطيافا من مجتمع حاضرة الدمام. النقاش الذي كان مفتوحا على مصراعيه بين المتحاورين هو تدريب عملي على تقبل أفكار الآخرين والإنصات وفهم ما يحاولون قوله, ولذا لم يكن مستغربا أن يصاب البعض بالتشنج وحالة من الدفاع عن الذات, لأن هؤلاء البعض لم يعتادوا النقاش الموضوعي فخلطوا بين المنصب والمكانة والقضية محل النقاش. وهذه حالة نعاني الكثير منها في مجتمعنا وهو أن المنصب الرسمي والمكانة الاجتماعية تقف حجر عثرة دون الاستفاضة في مناقشة أمورنا بكل أريحية وموضوعية. إنها حواجز يضعها أولئك النفر الذين لا يثقون بأنفسهم ولا قدراتهم الشخصية, فتراهم حبيسي مراكزهم الوظيفية لأنها هي التي تعطيهم المكانة وليس العكس. إنهم يختبئون وراء زيف المنصب حتى لا يكتشف الناس حقيقة أمرهم ولكنهم كمن يختبئ وراء حائط زجاجي لا يكاد يستر شيئا. في المقابل نجد الكثيرين من الذين لا ينأون بحمل المنصب ولا يتقوقعون داخله بل يرون المنصب أرضية للانطلاق وبث روح التعاون وتقاسم المعلومات وسعة الأفق واستيعاب الآخرين والمحاولة الجادة في فهم آرائهم واحترامها والشفافية المتناهية في عرض أعمالهم وما أنجزوه وما لم ينجزوه حتى أخطاؤهم لا يستنكفون عن الحديث عنها ليس تواضعا منهم أو جرأة ممقوتة وإنما وصفا تحليليا دقيقا من أجل الاستفادة من تجربتهم وحتى لا يقع الآخرون في الأخطاء نفسها في المستقبل.
في المنتدى تجمع لفيف من سكان حاضرة الدمام واستقطعوا من أوقاتهم حرصا على المشاركة وحبا لحاضرتهم، وربما كان من بين الحضور أشخاص لم يتقلدوا مناصب عليا أو ليسوا من أهل الجاه أو الوجاهة أو من أصحاب الشهادات العليا إلا أنهم تساووا في فرصة التعبير عن آرائهم والإفصاح عما يجول في خواطرهم وبث همومهم حول قضية تهمهم لتكون المرة الأولى التي يسمع فيها لرأيهم ويهتم بشأنهم بل لأول مرة يتملكون مشاكلهم تعريفا وفهما ومعالجة. إنه رأي عموم الناس الذي نفتقده في حواراتنا ومناقشاتنا وصنع القرارت العامة في أبسط صورة وأسهل طريقة دونما تعقيد ومن دون مداهنة ونفاق اجتماعي. لقد مضى زمن طويل دون أن يدرك الكثيرون أن المجتمع المحلي الصغير بحاجة إلى تأطير احتياجاته ومعرفة المصلحة المشتركة للسكان؟ وما هي أولوياتهم؟ وكيفية تحقيقها؟ إن منتدى الزامل يعد بحق نموذجا للعمل الجماعي الذي يذكي روح التعاون والإحساس الجماعي والانتماء إلى المجتمع الصغير وتأكيد الهوية المحلية ليتفانى الجميع من أجلها والاندفاع نحو التنمية المحلية. إن مجتمعات المدن تفتقد مثل هذا النقاش والعمل والانتماء الجماعي الذي يسهم في تجسيد المصلحة العامة للسكان ويجعلهم أكثر مسؤولية وحرصا على مدنهم. إن مثل هذا المنتدى بمثابة مجلس بلدي غير رسمي تتبادل فيه الآراء وتتلاقح فيه الأفكار وتتضح الصورة في الأذهان ويكون الجميع على بينة لما يجب عمله. إن سكان المدن بحاجة ماسة إلى مثل هذا النوع من المنتديات التي تأخذ على عاتقها مسؤولية الهم العام بجميع جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية حتى تتمكن المجتمعات الصغيرة من مواجهة التحديات الكبيرة المتمثلة في العولمة والتنافس الاقتصادي الدولي. لقد آن الأوان أن تأخذ المدن زمام المبادرة في تنمية مجتمعاتها المحلية بتبني رؤى مستقبلية واستراتيجيات وبرامج اقتصادية واجتماعية, وهذا لن يتأتى إلا من خلال التعرف على الرأي العام المحلي. لم يعد بالإمكان تقبل فكرة أن يسهم سكان المدن وأن يندفعوا نحو الإسهام في المشاريع التنموية المحلية دون أن تكون لهم مشاركة فاعلة في تحديد أولويات العمل الحكومي المحلي. إن أحد أهم السبل للتعرف على الرأي العام المحلي وصياغته هو من خلال منتدى كمنتدى الزامل الذي يفتح باب النقاش على مصراعيه في إطار من الثوابت الشرعية والأعراف الاجتماعية فيخرج المنتدى بآراء ناضجة وأفكار ورؤى قيمة وهمة عالية تنشد التغيير ولكن داخل منظومة القيم الاجتماعية بنظرة فاحصة وواعية لما يدور حولنا وما تتطلبه المرحلة المقبلة.
وهذا ما قصده رئيس المنتدى الأخ الفاضل صالح العبد الله السليم عندما أشار إلى أن الهدف الرئيس من المنتدى هو مناقشة موضوعات اجتماعية مهمة والارتقاء بالحوار بشفافية عالية دونما إسفاف وتسفيه لآراء الآخرين تحقيقا لغايات أسمى تخرج عن المصالح الشخصية الضيقة إلى المصالح العليا وما ينفع الناس. إن المنتدى يعتبر تجربه جديرة بالدعم من جميع سكان حاضرة الدمام وهو يخطو خطواته الأولى على درب طويل مملوء بالتحديات حتى نضمن نجاحه وتحقيق أهدافه. إن تسمية المنتدى باسم عائلة الزامل لا تعني أنه مقتصر على العائلة وإنما هي من باب الالتزام من عائلة الزامل بتحمل مسؤولية استمرارية المنتدى, وفي الوقت ذاته تأكيدا على حرصهم في المساهمة الاجتماعية وتطوير المجتمع المحلي، فجزاهم الله عن ذلك خير الجزاء.