رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


فشل المؤسسات: بين غياب الاستراتيجيات والعجز في تنفيذها

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

إن نجاح أي استراتيجية مرهون بمدى تطبيقها. فالاستراتيجيات بطبيعتها فرضيات تربط بين السبب والنتيجة، أي أن فعل شيء يؤدي إلى نتيجة بعينها. وعلى أن الاستراتيجيات من هذا المنطلق تبدو منطقية وسهلة الفهم، إلا أنها عامة وشاملة تحتاج تحويلها إلى أهداف وبرامج ومعايير أداء للتأكد من تنفيذها وتحقيق أهدافها. في دراسة أعدتها مجلة Fortune وجد أن أقل من 10 في المائة من الاستراتيجيات التي أعدت بعناية تم تطبيقها! وفي دراسة أخرى للمجلة نفسها أظهرت أن فشل الإدارات العليا في الشركات لا يرجع إلى عدم كفاءة الاستراتيجيات وإنما إلى سوء تنفيذها. وتعود صعوبة تنفيذ الاستراتيجيات إلى عدة أسباب, منها وقع التغير السريع والمتزايد الذي طال جميع نواحي الحياة خاصة التغيرات التقنية وتنوع القوى العاملة، ولكن السبب الجوهري هو اختلاف بيئة الأعمال في الوقت الحاضر عما كانت عليه في الماضي، فهناك تحول من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد المعرفي. هذا التحول المهم يتبعه عدة تحولات في الاقتصاد فمن الاهتمام بالإنتاج إلى الاهتمام بالعملاء، ومن التركيز على الوظائف إلى التركيز على العمليات، ومن رأس المال المادي إلى رأس المال المعنوي، ومن الإدارة إلى القيادة. على سبيل المثال التحول من رأس المال المادي (الممتلكات، المصانع، والآلات) إلى رأس المال المعنوي (العلامة التجارية، الملكية الفكرية، والعاملون) يصعب فهمه واستيعابه في اقتصادات الوقت الراهن مع ما يمثله من أهمية. إلا أن بعض الشركات الرائدة مثل مايكروسوفت تعي تماما أن رأسمالها المادي لا يمثل أهمية كبرى مقارنة بحقوقها الفكرية وعلامتها التجارية. ومع هذا ما زال كثير من المؤسسات والشركات يعتمد على العائد المادي (المالي) مؤشرا لنجاحها دون أخذ رأس المال المعنوي بعين الاعتبار. لذا قد تستطيع هذه الشركات معرفة موقفها المالي عبر القوائم المالية في أي وقت شاءت ولكن لا تستطيع معرفة مستوى الخدمة المقدمة ومستوى رضا العملاء وقدرات العاملين ومستوى خبرتهم التراكمية في العمل وتأثير كل ذلك في تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
من أجل ذلك ابتكرت عدة آليات تسهم في سد الثغرة بين الاستراتيجية وتطبيقها، منها وأشهرها ما يعرف بـ "كروت الأهداف المتوازنة" Balanced Scorecard التي ظهرت في بداية التسعينيات من القرن الماضي. الفكرة الأساسية منها هي ببساطة محاولة الموازنة بين الأهداف المالية وغير المالية والربط بين السبب (الأداء) والنتيجة وبذلك تساعد على تحديد الأسباب والعوامل المؤدية إلى النتائج وتحقيق أهداف الاستراتيجية. إنها تسمح لأول مرة بأن تعتمد الشركات على مؤشرات الأداء التوجيهية المستقبلية وليس كما هو متبع في كثير من الأحيان على مؤشرات تقيس ما تم إنجازه في الماضي. إنها تضع الاستراتيجية محل التنفيذ في جميع مراحل العملية الإدارية من الألف إلى الياء وليس فقط التركيز على الجانب المالي الذي عادة ما يأتي في مراحل متأخرة.
إن المبدأ الأساس وراء "كروت الأهداف المتوازنة" هو أن مقاييس الأداء تؤدي إلى تحفيز الموظفين، حتى ولو لم تكن هناك حوافز ومكافآت لتحقيق الأهداف. فقياس الأداء في حد ذاته يكفي بأن يدفع الموظفين نحو الإنجاز. إذ إن الأهداف الاستراتيجية عادة لا تربط بمقاييس الأداء, وهذا هو لب المشكلة والسبب الرئيس وراء صعوبة تطبيقها. فعادة ما تخفق الشركات والمؤسسات في وضع المقاييس والمعايير الصحيحة ولا تبذل جهودا في تحديدها بناء على المتطلبات المستقبلية، بل تكتفي بالاعتماد على أداء السنة الماضية وإضافة نسبة إليه. على سبيل المثال كأن يعتمد 10 في المائة زيادة في الأرباح أو المبيعات عن مستوى العام الماضي دون ربطها بجودة الأداء وقدرات العاملين وبناء الخبرات ورضا العملاء. كثير من الشركات يعمد إلى تبني استراتيجيات تتمثل في عبارات مثل "العميل أولا"، "نهتم لخدمتكم" ولكن تخفق في تحقيقها! لماذا؟! لأن أداء الموظفين يقاس بالكم، بعدد الوحدات المنتجة وليس بأسلوب وطريقة التعامل مع العملاء ونوعية الخدمة المقدمة! هذا يجعل الموظفين يفشلون في التعامل مع أول مشكلة تواجههم فيتهربون من مواجهتها ولا يبذلون جهدا في البحث عن حلول تحقق الرضا لدى العميل. والنتيجة تصرفات غير مقبولة من قبل الموظف تنم عن عدم المبالاة لحل المشكلة، بل الأدهى والأمر هو أن يتمادى الموظف في الإساءة إلى العميل لفظا أو سلوكا, لأن المطلوب إنهاء عدد من المعاملات وليس تقديم خدمة نوعية, فالمراجعون مجرد أرقام فحسب.
كل ذلك يدور في ذهني في كل مرة أتعامل فيها مع مؤسسة حكومية أو شبه حكومية، ويبرز السؤال ذاته: لماذا التركيز الكمي دون النوعي في التعامل مع المراجعين؟ وتبعاً لماذا عدم الاهتمام بمظهر ونظافة المبنى وصيانته مع أنه يكون قد كلف الكثير؟ لماذا لا نهتم بالمراجعين ونضع معايير تضمن مستوى من الخدمة المقبولة إن لم تكن متميزة؟ ما يعجب له عندما تكون المؤسسة شبه حكومية تقدم خدماتها مقابل مبالغ يدفعها العملاء ومع هذا لا الموظفون ولا المبنى يحترمون المراجعين. وعندما ألحظ هذه التعاملات التي لا تلقي بالا للمراجع أعلم يقينا أن القائمين على المؤسسة لم يقوموا بما يجب القيام به، هل ذلك بسبب عدم تنفيذ استراتيجياتها أم يا ترى ليس لديهم استراتيجية في الأساس؟ وهذه مصيبة عظمى نواجهها نحن المواطنين دون أن يكون لنا حول ولا قوة. إنه فشل إداري ذريع يجب الالتفات إليه إذ إن العبرة ليست بالكم فقط وإنما بالكيف, أي بمستوى الخدمة وتحقيق الرضا لدى المراجع بدلا من أن يستجديها ويطلبها بتذلل وانكسار. ما يريعك عندما تتحدث المؤسسات عن أدائها وكأنه لا يمكن أن يكون أكثر مما كان! وكأن لسان الحال: إن ما يقدم من خدمة هو أكثر مما تستحقون, لأن المهم أداء العمل بأي طريقة كانت كواجب يلزم القيام به سلوكا ظاهراً دون الالتفات إلى النتائج وتحقيق الهدف الأساسي من أداء العمل, وهو تقديم خدمة ترضي المراجع. ولا تستنكر عندما يزمجر ويزأر الموظف في وجه المراجع المسكين الذي همه إنهاء معاملته حسب النظام وكحق مكتسب ضمنته له جميع القوانين المحلية بينما تجد ملصقات على شاكلة "خدمتكم هدفنا"، "نسعى جاهدين إلى كسب رضاكم" في كل ركن من أركان المؤسسة! إنها حالة من التراخي واللامبالاة واللا مسؤولية وعدم الاكتراث لحقوق المراجعين ولا للأنظمة. إنها حالة تنبئ عن غياب المهنية والمحاسبة والمساءلة. إنها حالة فقدان القيادات الإدارية الرؤية والدافعية نحو تطوير أجهزتهم والارتقاء بها بدلا من أن يكون اهتمامهم منصبا على حضور اجتماعات وندوات ومعارض وتلميع إعلامي لا يمت بصلة إلى أهداف المؤسسة وتطويرها والارتقاء بالخدمات المقدمة. إنهم يعملون دون استراتيجية وأهداف مستقبلية أو استراتيجيات مع وقف التنفيذ.
متى يتغير الحال ونرى اليوم الذي تبحث فيه المؤسسات كل طالع شمس عن حلول أفضل وأساليب جديدة لتقديم خدمات متميزة في انشغال دائم لعمل الأشياء بطريقة أفضل هدفهم نيل رضا العميل وكسب ثقته واحترامه المؤسسة. أتمنى من القيادات الإدارية الحرص على وضع استراتجيات تهدف إلى خدمة العملاء وبناء الخبرة والمهارة لدى العاملين لتأدية أعمالهم بمهنية عالية وليس بشكل شخصي. إن تحقيق هذه الأهداف بمعايير ومستويات محددة يضمن نجاح الاستراتيجيات الشاملة، وإلا ستبقى الاستراتيجيات في برجها العاجي وتبقى سلوكيات الموظفين غير منسجمة معها ويبقى المراجع يعاني!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي