النفط السعودي: خطر تزايد الاعتماد العالمي
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
ذكرت الأنباء في الأسابيع القليلة الماضية خبر اتفاق شركة أرامكو السعودية مع شركة توتال الفرنسية وكولكو فليبس الأمريكية على الدخول في شراكة مع "أرامكو السعودية" والقطاع الخاص السعودي من خلال طرح عام في تأسيس مجمعات تكرير نفطية في ينبع والجبيل. تبلغ سعة تكرير هذه المصافي 400 ألف برميل يوميا لكل مصفاة ما يعزز دور المملكة ليس منتجا ومصدرا للخام فقط بل مصدرا للمواد المكررة من بنزين إلى الديزل وغيرها من المشتقات النفطية الأخرى.
كما أن استهلاك المملكة من هذه المشتقات في تنام, خاصة في ضوء تخفيض الأسعار في المملكة (زيادة دعم الحكومة), التي سبق أن كانت موضوع مقال على صفحات "الاقتصادية".
الجدير بالذكر أن استهلاك المملكة يبلغ نحو مليونا ونصف مليون برميل يوميا, وسيبلغ نحو ثلاثة ملايين بعد نحو عشر سنوات طبقا لبعض الإحصائيات.
من ناحية أخرى, يذكر دائما أن أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار المنتجات النفطية في الدول المستهلكة الكبرى, خاصة أمريكا, هو نقص التوسع في أعمال التكرير. فهناك مقاومة شديدة للتوسع في التكرير لأسباب بيئية وعدم رغبة وتكلفة باهظة من قبل الحكومات المحلية في المدن والولايات المختلفة. فلم تبن مصفاة تكرير جديدة في أمريكا منذ نحو 30 عاما. فقد ذكرت مجلة "الفاينانشيال تايمز" أن نمو سعة التكرير في الدول الكبرى يبلغ نحو 5 في المائة بزيادة 2.5 مليون برميل, بينما نمو سعة التكرير في الدول المصدرة للنفط سوف يبلغ 60 في المائة على مدى العقد المقبل, نصيب الشرق الأوسط منها نحو أربعة ملايين برميل يوميا, وصاحب ذلك أيضا نمو في الصناعات البتروكيماوية الأساسية في الدول المنتجة للنفط, بينما هناك تقلص في هذه الصناعة في الدول الصناعية.
يتضح مما سبق أن هناك توجها لتركيز الصناعة النفطية في الدول المصدرة للنفط بداية من البئر النفطية إلى المحروقات الاستهلاكية إلى الصناعات الأساسية البتروكيماوية, وتدريجيا إلى الصناعات المنبثقة منها. يقابل ذلك رغبة الدول الصناعية, خاصة أمريكا (تأتي أهميتها من كونها أكبر مستهلك لنحو 20 في المائة من الاستهلاك العالمي وصاحبة المبادرة في التوجهات الاقتصادية الجديدة), إعلانا وعملا في الحد من الاعتماد على النفط, خاصة نفط الشرق الأوسط.
استراتيجيا هناك اتجاهان متعاكسان, فيا ترى ما المقومات الاقتصادية الموضوعية التي تخدم المملكة بين هذه الرغبة في تعميق وتركيز الصناعة النفطية من ناحية ورغبة الدول المستهلكة في تقليل الاعتماد على هذه الصناعة من ناحية, من ناحية اقتصادية عامة لا شك أنه بتعميق الصناعة تتسلق المملكة سلم القيمة المضافة وهذا عمل إيجابي طال انتظاره, ولكن من ناحية استراتيجية وبعد اقتصادي آخر هناك عوامل أخرى يحبذ الوقوف عندها, العامل الأول طبيعة النفط الناضبة، حيث إن تركيز هذه الصناعة لدينا سوف يعمق الاعتماد عليها، وذلك على حساب الاستراتيجية المعلنة في تقليل الاعتماد على النفط. العامل الآخر هو فصل للعلاقة بين المستهلك والمنتج، وهذا قد لا يخدم الصناعة النفطية في ظل رغبة الدول الكبرى الاستهلاكية في تقليل الاعتماد على هذه السلعة من ناحية، ومساعدتنا لهم في هذا التوجه، من خلال تقليص اعتماد اقتصادياتهم على بعض جوانب هذه الصناعة. أي أنه في حالة عدم وجود مصلحة لهم فيها، فإن رعايتها الاقتصادية والسياسية سوف تقل حتما. كما أن تركيز هذه الصناعة لدينا له جوانب بيئية يجب أخذها في الحسبان. المراقب اليوم يجد أن الصناعة النفطية عموما هدف إعلامي وسياسي سهل، لذلك فإن هذا الاستهداف سوف يزيد لا محالة في حالة ازدياد هذا التركيز في الصناعة اقتصاديا وجغرافيا في الدول المنتجة للنفط.
في المدى القصير (السنوات القليلة المقبلة)، هذه التوجهات حتما سوف تزيد من نفوذ الدول المصدرة وخاصة المملكة، حيث إن هناك إجماعا في دوائر الصناعة أن هناك نقصا في السعة التكريرية في العالم. يجب ألا نغفل عن المدى الطويل والتوجهات الجديدة، حيث إن آفاقها الاستراتيجية والاقتصادية قد لا تخدم الدول المصدرة ومنها المملكة على المدى البعيد.
اقتصاديا هناك ميزة كون النفط أهم سلعة لدينا، فمن الحكمة الاقتصادية أن تستغل هذه الميزة إلى أبعد حد، وذلك في استغلال العوائد المالية لبناء قاعدة اقتصادية وتعليمية، ولكن يجب أن نفرق بين التكتيكي والاستراتيجي وبين المديين القصير والطويل. إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية والخطط السعودية المعلنة أن هدف المملكة هو تقليل الاعتماد على العوائد النفطية واستخدام هذه العوائد في بناء قاعدة اقتصادية لتمكين الاقتصاد من التنويع وإيجاد منابع اقتصادية مستدامة مبنية على الجهد العضلي والفكري.
من الواضح أن هناك تغيرات مهمة مما يخلق تداخلات وخلطا بين المديين القصير والطويل وبين التكتيكي والاستراتيجي.
من المستحسن أن يكون لدى المملكة استراتيجية واضحة ومعلنة من قبل المجلس الاقتصادي الأعلى ومجلس النفط الأعلى لتفكيك هذه التداخلات وإيجاد الرؤية الواضحة.
على مخططي الاستراتيجية السعوديين التفكير الملي في هذه التغيرات والتوجهات لتعظيم الفائدة على المدى الطويل.