رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أداء المنتخب السعودي .. مَن المسؤول؟!

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

أصارحكم بداية أني لست متخصصا في الشؤون الرياضية ولا أدعي أني أعرف خطط المدربين والتحليل الرياضي، ولكني أكتب اليوم عن أداء المنتخب السعودي في كأس العالم 2006 من زاوية تحليل القرارات والاستراتيجيات العامة بحكم تخصصي في الإدارة العامة. ما أعرفه عن لعبة كرة القدم هو أن أحد الفريقين يتفوق على الآخر بتسجيل أهداف أكثر. وهذه المعرفة على بساطتها أظن أنها تغيب عن بال الكثيرين المهتمين بالشأن الرياضي. لذا تسمع في بعض الأحيان تصريحات على شاكلة أن المنتخب يشارك في الدورة من أجل تسجيل حضور في المحفل الدولي أو التغطية الإعلامية أو لزيادة الخبرة أو من أجل الصداقة ونستنكف أو كأننا نخجل من أن نقول جئنا لنفوز ونهزم الآخرين. إذ إن استراتيجية إعداد المنتخب للفوز بكأس العالم تختلف عن إعداده للمشاركة الرمزية. ومع ذلك لم يكن خروج المنتخب السعودي من الدور الأول بأداء باهت متوقعا حتى من أكثر الناس تشاؤماً، فالدولة لم تدخر وسعاً في الإغداق على اتحاد كرة القدم دعما مالياً ومعنوياً. حتى الشركات الوطنية تدافعت تستثمر في إعلانات وأهازيج وطنية عن المنتخب لتكسب ود وريالات الجماهير السعودية. حتى أصبحت صور اللاعبين تلاحقنا في كل مكان فلا يكاد يخلو شارع من صورهم ولا حتى المنتجات الغذائية والمشروبات الغازية ولا المحطات التلفزيونية الوطنية أو المهاجرة أو المسترزقة إلا وكان هناك إطلالة للاعبي المنتخب. ومع هذا الزخم الإعلامي والدعم المالي نخرج من الدور الأول!. إن هذا الدعم السخي باستطاعته أن يجعل أحد المنتخبات الإفريقية أو حتى إحدى بلدان الكاريبي أقرب إلى الظفر بالكأس الذهبية فضلا عن التأهل للدور الثاني.
وما نكاد نخرج من انتكاسة كروية إلا وندخل أخرى حتى أصبحنا محترفين في تعليل أسباب الهزائم والأداء الضعيف، بل أعتقد أن الإخوة في الصحافة الرياضية لديهم كتابات وتحليلات جاهزة مكتوبة تنتظر الحدث المتوقع في كل مرة حتى تتمكن من نشره! لقد اعتدنا إلقاء اللائمة على الجميع من أصغر موظف مروراً بمدير المنتخب واللاعبين وانتهاء بالمدرب دون أن يجرؤ أحد في الحديث عن اتحاد كرة القدم الجهاز المسؤول عن إدارة المشروع الكروي. وتعالوا نفصل في المسألة ونحللها تحليلاً منطقياً. من يختار اللاعبين للانضمام للمنتخب؟ الجواب المدرب، ولكن من يختار المدرب؟ بطبيعة الحال: اتحاد كرة القدم، إذاً تقع على عاتقه المسؤولية الكبرى في عدم تطور أداء المنتخب الوطني. وهنا ربما من المصلحة العامة أن نسأل ونتحاور مع اتحاد كرة القدم عن عدم تطور أداء المنتخب. من المعروف أن أداء الشركات والمؤسسات الاقتصادية مرهون بقدرات القيادات الإدارية على وضع الاستراتيجيات واتخاذ القرارات التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين الأداء والمنتج. وفي حال تعثر أداء الشركة فإنهم لا يردون ذلك لصغار الموظفين أو حالة الطقس أو أي أمر آخر سوى مجلس إدارة الشركة الذي قد يكون اتخذ قرارات استراتيجية خاطئة أو أنه في الأساس لم يتخذ القرارات المطلوبة.
يجب أن يتحمل الجميع المسؤولية دون استثناء، من خلال مناقشات مفتوحة القصد منها التعرف على أسباب المشكلة وتحديدها بكل موضوعية وليس تجريح الأشخاص أو الانتقاص من قدرهم. يجب أن يكون حاضراً في الأذهان أن الحرص على فوز المنتخب نابع من وطنيتنا ويلزم أن يبقى هذا الشعور متوقدا في أحاسيسنا وفكرنا ونحن نناقش موضوعاتنا الوطنية. لأنني أخشى أن تأخذ البعض الحماسة باسم الوطنية ويخطئ على الآخرين ويزايد على وطنيتهم. إن المنطلق الأساس لهذه المناقشات هو حب الوطن وليس المصالح الشخصية وتصفية حسابات أو نزاعات شخصية ضيقة. أعتقد إذا ما التزمنا الموضوعية في طرح الأفكار والآراء فسنجد آذانا صاغية وقلوبا منفتحة. وفي الوقت ذاته لم يعد باستطاعتنا أن نتجاهل مشاكلنا ونغرس رؤوسنا في الرمل أو تكون مناقشاتنا شكلية ميتة نجامل البعض ونصب سوط عذاب على آخرين. لم يعد بالإمكان في عصر الانفتاح والشفافية الذي نتفيأ ظلاله في هذا العهد الميمون والنضج السياسي والثقافي أن تكون نقاشاتنا خجولة تلتف حولها خطوط حمراء هي من نسج خيالنا لا تمت للواقع بصلة. ها نحن ننعم ولله الحمد والمنة أقولها بكل موضوعية دون محاباة أو تملق بمجالس للشورى والمناطق والبلديات. وأصبح في عرفنا وثقافتنا السياسية مفاهيم ومصطلحات جديدة مثل الانتخابات والمشاركة في صنع القرار نقلتنا إلى مراحل متقدمة من التطور السياسي والاجتماعي. الكثيرون قد لا يكونون مدركين لهذه المشاريع الوطنية الجبارة التي هي نعمة كبيرة مرتكزها الحوار المفتوح بشفافية وهدفها الوصول إلى الحقيقة ومناقشة قضايانا بكل مصداقية.
من هنا فإن الفرصة مهيأة لتطبيق هذا المنهج الشوري وفلسفة الحوار الوطني والانتخابات في اتحاد كرة القدم. أعتقد أن الوقت مواتٍ لأن يتم انتخاب أعضاء اتحاد كرة القدم حتى نضمن أولا، أن الأعضاء يعكسون وجهة نظر الشارع الرياضي وبالتالي تكون قراراته منسجمة مع هذه التوجهات والرؤى. ثانيا، وهو على قدر كبير من الأهمية أن الأعضاء يسعون لتحقيق أداء ونتائج مميزة بما ينسجم مع تطلعات الجماهير الرياضية، بدلا من أن يكون أداؤهم مبنيا على أسس بيروقراطية وتوجهات داخل الاتحاد.
إن تسجيل الأهداف في الملعب يبدأ من قاعات الاجتماعات والقرارات والسياسات المنبثقة منها، ولذا كان لزاما مناقشة أداء المنتخب الوطني من خلال تحليل جميع السياسات والقرارات وربطها بالنتائج. إذ يفترض أن النتائج حصيلة القرارات والجهود المبذولة. إن المشكلة في ظني تتعلق بالتركيز على حجم الدعم المالي دون السؤال عن كيفية تخصيصه على مختلف النشاطات. على سبيل المثال، إذاً كان الهدف هو تطوير المهارة الكروية لدى اللاعبين السعوديين بمستوى دولي وليس محليا فإن علينا تبني سياسة احتراف اللاعبين السعوديين في الفرق الأوروبية، فلو خصصت مبالغ لتشجيع الأندية الأوروبية على إشراك اللاعبين السعوديين في مبارياتهم والانخراط في تدريباتهم الصيفية خارج المواسم لكان أدعى من إقامة معسكرات ترفيهية لا تطور أداءهم. أمر آخر وهو النقل التلفزيوني لمباريات كأس العالم الذي حرم منه الكثيرون وخاصة أبناء الأسر الأقل حظاً في المجتمع الذين يمثلون الرافد الأساس للمنتخب لو خصصت مبالغ للبث الأرضي حتى يتسنى لهم مشاهدتها ورفع مستواهم الثقافي الكروي العالمي.
لقد حان الوقت أن نربط بين الفعل والنتيجة وأن نفرق بين الكفاءة والفاعلية وبين النتيجة والناتج وبين الكم والنوعية وبين التصريح الإعلامي والنتائج على الأرض وأن نناقش ما لم نعتد نقاشه وأن نتعلم من التجارب ونواجه أخطاءنا بكل شجاعة وألا نعلقها على الآخرين (الأرض، الطقس، المدرب، اللاعبين، الجمهور، الصحافة الرياضية، الفيفا،....) فالمشكلة حينما نعتقد ألا علاقة لنا بها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي