الاقتصاد السعودي: المياه
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
خلال الأسبوع الماضي تزامنت كلمة لوزير المياه في حائل أمام يدي خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين في حفل تدشين مشروع مياه جوفية في حائل مع ندوة جريدة "الاقتصادية" عن المياه الجوفية في المملكة وما تتعرض له من استنزاف وآفاق الحلول. ذكر الوزير (وهذه ليست كلماته بالحرف بل بالمعنى) أن استخدام المياه الجوفية للأغراض الزراعية مكلف (غير اقتصادي) خاصة أنها أكثر بكثير كميا مقارنة بالاستعمال البلدي.
فقد ذكر المختصون عدة نقاط مهمة في الندوة، منها أن الاستعمال الزراعي يشكل نحو 85 في المائة من استهلاك المياه في المملكة، وأن معدل استهلاك الفرد البلدي في المملكة يعادل 286 لترا يوميا مقارنة بمتوسط عالمي بين 100 و150 لترا يوميا، وأن نحو 40 في المائة من المياه البلدية في المدن تتسرب بسبب عيوب فنية في شبكات المدن.
المعروف أن المياه الجوفية تراكمت على مدى آلاف السنين وبقدرة التقنية التي توافرت لنا في العقدين أو الثلاثة الماضية استطعنا استنزاف الجزء الأكبر منها واستعمل للأغراض الزراعية التي ليست لدينا فيها ميزة اقتصادية، كما أسهم في هذا الاستنزاف الدعم الحكومي الذي لا يعكس التكلفة الاقتصادية للمياه في المملكة ليس فقط بالنسبة للمياه الجوفية بل بتكلفة أعلى بعدة أضعاف للمياه المحلاة (هناك تكلفة مباشرة وتكلفة غير مباشرة في استعمال الغاز الطبيعي في الصناعة كلقيم).
ذكر أحد المشاركين في الندوة أنه ليست هناك استراتيجية واضحة وقابلة للتطبيق العملي للتعامل مع المياه الجوفية. الواضح من الندوة أن هناك فجوة وفقدانا في التوازن في الاستهلاك بين الزراعة والاستهلاك البلدي الضروي.
يتضح مما ذكر أعلاه أن هناك مشكلة، فنظرا لمركزية المياه في الحياة والطبيعة الصحراوية لبلادنا فليس أمامنا إلا أن نجد حلولا جذرية تخدم المواطن والمقيم على المدى البعيد. أحد أركان سياسة الحكومة هو رغبتها في تسهيل حياة المواطنين سواء كانوا مستهلكين أو مزارعين، وأهم سبل هذه السياسة هو الدعم للسعر من خلال الفرق بين التكلفة الاقتصادية وما يدفعه المزارع أو المستهلك لهذا اللتر من المياه. هذه الرغبة عادة ما تصطدم عاجلا أم آجلا بالمنطق الاقتصادي كلما زاد الدعم زاد الاستهلاك (ليصل إلى حد الإسراف).
استراتيجيا وكخطوة أولى يجب فصل الزراعة عن الاستهلاك البلدي نظرا لكبر حصة الزراعة من ناحية واختلاف طبيعة الغرض من ناحية أخرى. ليس من مهرب من قبول حقيقة أنه ليس للمملكة من ميزة اقتصادية في تشجيع الزراعة. فما يقال عن أنها طريقة حياة الأجداد وأن الأمن الغذائي ذات أهمية استراتيجية وما إلى ذلك من مفردات لا تخلو من دغدغة العواطف التي تخدم المصالح، فالأمن المائي أهم، والحل يكمن في إيجاد التوازن بين الحاجة للماء البلدي بسعر معقول والاطمئنان على المصادر المائية من خلال تسعيرة تخدم الهدف. اقتصاديا، المياه وتحديدا تكلفة المياه أهم العناصر في معادلة الزراعة الاقتصادية، لذلك علينا التعامل معها ليس بمعزل عن العوامل الأخرى فكلما رخص سعر هذا العنصر زاد استعماله على حساب العوامل الأخرى وهذا يقلل حاجة القطاع الزراعي لاستعمال تقنية أعلى، لذلك فدعم المزارع من خلال إمداده بمياه رخيصة لا يطور الأعمال الزراعية في المملكة، فليس هناك حاجة إلى تطوير تقنية ري حديثة.
تاريخيا استفاد الكثير من المزارعين في المملكة من الدعم السخي ولكننا اليوم في ظل سياسة حكومية تتجه نحو مزيد من الإصلاح الاقتصادي والتخصيص في ضوء المستجدات الاقتصادية الجديدة عالميا. لعل إحدى الخطوات العلمية الأولى تتمخض في رفع الدعم عن الديزل تدريجيا حتى يعكس القيمة الجوهرية الاقتصادية لتكلفة المياه ثم رفع السعر تدريجيا، يحبذ استعمال الأموال التي تذهب إلى هذا الدعم إلى إصلاح شبكة المياه والحد من نسب التسرب العالمية، وهذا يقودنا إلى الاستهلاك البلدي فلا يمكن أن نرفع السعر عن المستهلك البلدي قبل إصلاح الأعطال، بعد إصلاح الأعطال يحبذ أن يدرس الدعم بعين على الحد من الإسراف وليس من الاستهلاك وخاصة للغالبية من المواطنين السعوديين.
تحاول وزارة المياه من خلال الإعلام بث وزيادة الوعي والمراهنة على المسؤولية الأخلاقية والوطنية للحد من الإسراف ولكن لغة الأسعار أقرب طريق إلى التوعية. مثاليا يحبذ أن يرتفع السعر لكي يعكس التكلفة ومن ثم تقرير من يستحق ويحتاج إلى الدعم. ليس الكل يحتاج إلى الدعم، فلا شك أن الغالبية من المستهلكين تحتاج إلى دعم أو بعض الدعم ولكن هناك جزءا لا بأس به لا يحتاج إلى دعم.
تتمتع المملكة بفائض مالي يمكنها من تخفيف وطأة إزالة الدعم الذي يشوه الصورة الاقتصادية لأعمال إنتاج المياه وتوزيعها، فهذه فرصة استراتيجية لتعويد جميع المستفيدين من الدعم على حياة أكثر عقلانية اقتصاديا. هذا التوجيه يدعم بقوة سياسة الحكومة نحو تخصيص أجزاء معتبرة من قطاع المياه.
نظرا لأهمية هذه الاستراتيجية فعلى المجلس الاقتصادي الأعلى إيجاد الخطة وربط تنفيذها بجدول زمني معقول وشفاف لكي يعمل الجميع لخدمة المملكة في آن واحد.
هناك لجان ودراسات كثيرة في الأجهزة البيروقراطية ذات العلاقة، ولكنها تفقد التوجه الاستراتيجي ذا البعد الاقتصادي، وخاصة في قطاع المياه المهم للحياة في كل الأزمان.